وحكى أنها دخلت عليه بكرة يوم، والصباح المقبل قد ركض جبينه في أحشاء الشجر، ونفض العنبر المغلف على أصداغ الطرر، والشمس قد همت بأن تحدر النقاب، ثم تمنعت وتطلعت من الألقاب، والفضاء قد أصبح فضيًا، والروض قد أضحى سماويًا أرضيًا، والطير قد هتف للإعجاب، وبشر بتقشع الظلام المنجاب، والماء قد رفض إذ تكشفت السماء، ولم يبق بينه وبينها حجاب، فسر بزيارتها، وقدح زند فجره المشرق بإنارتها، واستدعى منها الغناء فغنت:[من الخفيف]
مَرْحَبًا بِالصَّبَاحِ لمَّا وَافَى … وانْتَضَى في الدُّجَى لَهُ أَسْيافا
رافعًا في الظلامِ جُنْحَ دُجاهُ … عاجِلًا مِثْلَ ما رفعت السجافا
مِثْلَ سيف الدين المليكِ المُفَدَّى … عندما جاءَ شَقَّقَ الأَسْدَافا
فأعجبه الشعر والغناء وهما لها، ثم سألها حاجتها، فذكرت أسيرًا في يد الإفرنج سئلت فيه الفداء، فعجل به.
ومنهم:
[١٩٢] عَجِيبَة، مغنية الكامل (١)
وكانت في نساء زمانها عجيبة، وفي أوانس أخدانها غريبة. من المغاني
(١) المَلِك الكامل، محمد بن محمد (العادل) ابن أيوب، أبو المعالي، ناصر الدين: من سلاطين الدولة الأيوبية. كان عارفًا بالأدب، له شعر، وسمع الحديث ورواه. ولد بمصر سنة ٥٧٦ هـ/ ١١٨٠ م، وأعطاه أبوه الديار المصرية، فتولاها مستقلًا بعد وفاته (سنة ٦١٥) وحسنت سياسته فيها. واتجه إلى توسيع نطاق ملكه، فاستولى على حران والرها وسروج والرقة وآمد وحصن كيفا، ثم امتلك الديار الشامية، ودخل ابنه (الملك المسعود) مكة سنة ٦٢٠ فكانت الخطبة فيها باسم الكامل، ودعي له بلقب «مالك مكة وعبيدها»، واليمن وزبيدها، ومصر وصعيدها، والشام وصناديدها، والجزيرة ووليدها الخ واستمر أربعين سنة، نصفها في أيام والده. وتوفي بدمشق سنة ٦٣٥ هـ/ ١٢٣٨ م، ودفن بقلعتها. وله مواقف مشهورة في الجهاد بدمياط. وكان حازمًا عفيفًا عن الدماء، مهيبًا، يباشر أمور الملك بنفسه، كما يقول المقريزي. وقال الصفدي: كان فيه جبروت، لما مات لم يحزن عليه الناس. من آثاره بمصر المدرسة «الكاملية». ترجمته في: الوافي بالوفيات ١/ ١٩٣ وابن إياس ١/ ٧٧ وابن الأثير ١٢/ ١٢٦ و ١٣٥ و ١٨٦ ورواد الشرق العربي ١٥ و ١٦ وفيه كلمة عن «معاهدة» قيل: عقدت بين الكامل والامبراطور. =