محرز لغاية، ومتبرّز في غواية، تردد بين الحرمين: مكة، والمدينة للقاء المحسنين، والإلقاء من المغنين.
ثم لم يقنع حتى أتى بلاد فارس، وجنى من تلك المغارس، وأصبح لا يدع طرفًا به إلا انسجم، ولا مختارًا إلا مجموعًا فيه عربًا على عجم، فلم يبق في الغناء ناده حتى جازها، ولا شاذة أعجزت من قبله أهل الطرب حتى شازها كأنه لهذا خُلق، وبه استحق التقدم، وإن سبق، إلا أن داءه أزواه حتى كان تلقاء العيون، وما رمق.
قال أبو الفرج؛ قال إسحاق: كان يسكن المدينة مرّة، ومكة مرة فإذا أتى المدينة أقام بها ثلاثة أشهر يتعلم الضرب من عزّة الميلاء (٢) ثم يرجع [إلى] مكة، فيقيم بها ثلاثة أشهر.
ثم صار بعد ذلك إلى فارس، فتعلّم ألحان الفرس، فأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام، فتعلّم ألحان الروم، فأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنهما، وفرج بعضهما ببعض، وألف منهما الأغاني التي صنعتها من أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع بمثله، وكان يقال له: صناج العرب.
(١) مسلم بن مُحرز، أبو الخطاب، مولى بني عبد الدار: أحد المقدمين في صناعة الغناء والألحان. فارسي الأصل. كان أبوه بمكة، من خدام الكعبة. ونشأ هو بمكة، ثم كان يقيم فيها مدة وفي المدينة مدة، يتعلم في الثانية الضرب من عزة الميلاء. وشخص إلى «إيران» فتعلم ألحان الفرس. وصار إلى الشام، فتعلم غناء الروم وألحانهم. ومزج غناء الفرس والروم وأخذ منهما أغانيه التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يسمع مثله. وكان يقال له «صناج العرب». اشتهر في صدر الدولة العباسية، وأصيب بالجذام فلم يعاشر الخلفاء ولا خالط الناس، توفي نحو سنة ١٤٠ هـ/ نحو ٧٥٧ م. ترجمته في: الأغاني: ١/ ٣٦٣ - ٣٦٨، الأعلام ٧/ ٢٢٣. (٢) ترجم لها المؤلف برقم (٥٧).