دحمان، قال: أعرفه، ولو لم أعرفه، لسألتُ عنه، فقال: إنه يغني ويعلم الجواري الغناء، قال: غفر الله لنا ولك، وأينا لا يتغنّى؟ اخرج إلى الرجل من حقه.
قال عمر بن شبه: بلغني أن المهدي أعطى دحمان في ليلة خمسين ألف دينار وذلك أنه غناه من شعر الأحوص (١): [من الوافر]
قُطُوفُ المشي إن تمشي … تَرَى في مِشْيِهَا حُرَقا
فطرب واستخفّه السرور حتى قال لدحمان: سلني ما شئت؟، قال: ضيعتان بالمدينة يقال لهما: أركا، وغالب. فأقطعه إياهما، فلما خرج التوقيع إلى ابن عبد الله وعمر بن بزيغ راجعا المهدي فيه، وقالا: إنَّ هاتين الضيعتين لم يملكهما قط إلا خليفة، وقد استقطعهما ولاة العهود في أيام بني أمية، فلم يعطوهما. فقال: والله لا أرجع عنها إلا بعد أن يرضى. فصولح على خمسين ألف دينار.
قال إسحاق: مرّ دحمان الأشعر المغنّي، وعليه رداء جيد، فقال له بعض من حضر: بكم اشتريت هذا يا أبا عمر، فقال (٢): [من الخفيف]
[ما] ضَرَّ جيراننا إذ انْتَجَعُوا
[١٨] سياط (٣)
كان سرورًا للسّامع، وشجًا لابن جامع، لا يزال يعنطه، ويرهق باقي دمائه ويفنطه، ولم يكثر عدّ أصواته التي صنّفها وأبياته في الأنغام التي ألفها، إلا أنه يكثر فيها الصناعة، ويظهر فيها البراعة، ويطرب بها ما لا يطرب اليراعة، وكانت أخباره قلائل، وآثاره عليه دلائل.
قال أبو الفرج، قال إسحاق: ولقب هذا اللقب؛ لأنه كان كثيرًا ما يغني (٤): [من الوافر]
(١) دوانه ١٧٨. (٢) صدر بيت للأحوص الأنصاري، وتتمته: لو أنهم قبل بينهم ربعوا «ديوان الأحوص ١٧٨». (٣) سياط: عبد الله بن وهب، مولى خزاعة، المعروف بسياط: أحد المقدمين في صناعة الغناء والعزف. من أهل مكة. وهو أستاذ إبراهيم الموصلي وطبقته. وسياط هو زوج أم ابن جامع، توفي سنة ١٦٩ هـ/ ٧٨٥ م. ترجمته في: الأغاني ٦/ ١٦١ - ١٦٩، الأعلام ٤/ ١٤٣. (٤) البيت للمتنخل الهذلي في شرح أشعار الهذليين ٣/ ١٢٧٣.