للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عليك؟، قال: جعلتني هذه فغنيته:

فلم يحفظوا الرد الذي كان بيننا … ولا حين هموا بالقطيعة أجملوا

قال: فنزع خلعته، فجعلها علي، وأقمت عنده بقية يومي على عربدة كانت فيها.

[٨] ابن مسجح (١)

سابق أغر وسارق ما غر، أول من تفطن لغناء فارس، وكان له في بلاد العرب الفارس أي بر من العجم، وألقى سمعه إلى أصواتها، وابتز أرواح طربها من لهواتها، ونقل ما تصور في خاطره من تلك الصور الأعجمية، والتماثيل التي لا ترى للعيون العمية إلى أن أبرزها عربا أبكارا، وأسكنها أسماعا وأفكارا، وأدارها شمولا لا يسمع عليها إنكارا، ثم منه أدهقت آنيتها، وسمعت قاصيتها ودانيتها.

قال أبو الفرج، قال هاشم بن المرية: إن أول من غنى هذا الغناء العربي بمكة ابن مسجح، وذلك أنه مر بالفرس وهم ينصون المسجد الحرام فسمع غناءهم بالفارسية فنقله في شعر عربي، وهو الذي علم الغريض وابن سريج.

قال: وهو أول من غنى الغناء الثقيل. وعاش ابن مسجح حتى لقيه معبد، وأخذ عنه في أيام الوليد بن يزيد بن عبد الملك.

قال دحمان: كنت عاملا لعبد الملك بن مروان بمكة، فقيل: إن رجلا أسود يقال له: ابن مسجح قد أفتن فتيان قريش فأنفقوا عليه أموالهم، فكتب إليه: أن اقبض ماله وسيره، ففعل وتوجه ابن مسجح إلى الشام، فصحبه رجل له جوار مغنيات في طريقه، يقال له يزيد، فأخبره خبره، وقال: أريد الشام، قال له: فكن معي، فصحبه حتى بلغا دمشق، فدخلا مسجدها، فسألا عن أخص الناس بالأمير، قالوا: هؤلاء النفر من قريش من بني عمه، فوقف ابن مسجح عليهم وسلم، ثم قال: يا فتيان، هل فيكم من يضيف رجلا غريبا من أهل الحجاز؟، فنظر بعضهم إلى بعض، وكان عليهم موعد أن


(١) ابن مسجح، سعيد بن مسجح، مولى بني جمح، أبو عثمان أو أبو عيسى: ملحن من كبار المغنين. كان أسود، من أهل مكة. رحل إلى الشام، فأخذ ألحان الروم، وانتقل إلى فارس، فنقل غناءها إلى غناء العرب، وعاد إلى الحجاز، فأهمل ما لم يستسغه من النبرات والنغم في غنائي الفرس والروم، وجعل لنفسه مذهبا في التلحين تبعه فيه الناس من بعد. وكان من تلاميذه ابن سريج والغريض. توفي نحو سنة ٨٥ هـ/ نحو ٧٠٤ م.
ترجمته في: الأغاني/ ٣/ ٢٧٣ - ٢٨٢، الأعلام ٣/ ١٠١.

<<  <  ج: ص:  >  >>