للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال إسحاق: وكان ابن محرز قليل المخالطة للناس، فأخمل ذلك ذكره، فما يذكر الآن غناؤه، وأخذتْ كلّ غنائه جارية لصديق له من أهل مكة كانت تألفه، فأخذ الناسُ عنها. ومات بالجذام.

قال إسحاق: خرج ابن محرز يريد العراق فلقيه حنين (١)، فقال: كم منتك نفسك من العراق؟، قال: ألف دينار، قال: فهذه خمسمائة دينار فخذها وانصرف، واحلف أن لا تعود.

قال إسحاق: ولم يعاشر الخلفاء، ولم يخالط الناس لأجل الداء الذي كان به؛ ولما شاع ما فعله حنين لأمه أصحابه، فقال: لو دخل العراق لما كان لي معه خبز آكله، ولا طرحت وسقطت إلى آخر الدهر.

ومنهم:

[٢] ابن عائشة (٢)

طوى زمان الغناء بموت قرنائه، وأنسى إحسان المحسنين بغنائه، وأسس ما لم يشيد على بنائه، حتى كان مجمع أولئك العشاق، وطراز حواشي تلك الأيام الرقاق، وأَلِفَ من صغره مغازلة النساء، فجاءه على غنائه تلك الرقة، وبان في أصواته الشجية البكاء لتلك الفرقة، واتصل بالخلفاء اتصال أمثاله، واتصف بما فات من مراد الظرفاء منى آماله.

قال أبو الفرج: قال الوليد بن يزيد لابن عائشة: يا محمد البغية أنت؟، قال: لا، ولكن كانت أمي يا أمير المؤمنين ماشطة، وكنت غلامًا، وكانت إذا دخلت إلى موضع قالوا: ارفعوا هذا لابن عائشة، فغلبت على نسبي.

قال إسحاق: أخذ الغناء عن معبد ومالك، ولم يموتا حتى ساواهما، وكان حسن الصوت يفتن كل من سمعه، وابتداؤه الغناء كان يضرب به المثل، فيقال: كأنه ابتداء ابن عائشة في الحسن.


(١) ترجم له المؤلف برقم (٣).
(٢) محمد بن عائشة، أبو جعفر: موسيقار. من المقدمين في صناعة الغناء ووضع الألحان، في العصر الأموي، يرتجل ذلك ارتجالًا. وهو من أهل المدينة، ينسب إلى أمه، وكانت مولاة لأحد بني كندة. ويضرب المثل في ابتدائه بالغناء حتى قيل للابتداء الحسن كائنًا ما كان، من قراءة قرآن أو إنشاد شعر، أو غناء: كأنه ابتداء ابن عائشة، توفي نحو سنة ١٠٠ هـ/ نحو ٧١٨ م. ترجمته في: الأغاني ٢/ ١٩٥ - ٢٣٥، الوافي بالوفيات ٣/ ١٨١، الأعلام ٦/ ١٧٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>