فأمست دارهم شَحَطَتْ وبانَتْ … وأَضحى القلب يخفِقُ ذا سَفِيفِ
وما غنيته إياه إلا على احتشام؛ فلما فرغت نظر إلي، وقال: والله لقد أحسنت، ولكن حلقك كأنه حلق زانية فقلت: أما إذا أفلتُ منك بهذا، فقد أفلت.
قال: وبقي ابن عباد إلى أيام المهدي، فقدم بغداد، وتوفي بها في أيامه، ودفن بباب حرب.
[٥٢] يحيى المكي (١)
رابط فكر سانح، و ٥ خاطر مانح، واضطلاع فيما نقل، واطلاع على ما كان يظن أنه لم يقل، واتقان لصنعته بجميع طرقها، ويعرف فرقها، ويؤنس غريبها، ويُجلِّي غربيبها، وأذن الخلافة مصغية إلى اجتناء الطرائف، واقتناء الشرايف، واستحسان الحسن، واستنطاق الألسن فنفقت بضاعته، وفتقت الحجب إلى القلوب صناعته.
قال أبو الفرج؛ قال أحمد بن سعيد المالكي: حضرت يحيى المكي يومًا وقد غنى لحنًا لمالك، فسأل عن صانعه، فقال: هذا لي، فقال إسحاق: قلت: ماذا، قلت فديتك؟ وتضاحك به وأخبر أنه لمالك فغنّى الصوت، فخجل يحيى، وأمسك عنه، ثم غنّى بعد ساعة صوتًا آخر، فسأله عنه، فنسبه إلى الغريض، فقال له إسحاق: يا أبا عثمان ليس هذا من نمط الغريض، ولا طريقته، فلو شئت لأخذت مالك وتركت الغريض مكانه، ولم تتعب، فاستحيا يحيى، ولم ينتفع بنفسه يومه؛ فلما انصرف بعث إلى إسحاق بألطاف وهدايا، وكتب إليه يعاتبه ويقول له: لست من أقرانك فتضادني، ولا أنا ممن يتصدّى لمباغضتك ومباراتك، فتكايدني وأنت أولى أن أفيدك، وأعطيك ما تعلم أنك لا تجده عند غيري، فتسمو بي على أكفائك أحوج منك على أن تباغضني، وأعطي غيرك سلاحًا إذا حمله عليك لم يقم له، وأنت أولى، وما تختار فعرف إسحاق صدقه فكتب إليه يعتذر وردّ الألطاف، وحلف له أن لا يعارضه بعدها، وكان يأخذ عنه
(١) يحيى بن مَرْزُوق المكي من الموالي: أديب، من المغنين المشهورين. نشأ بمكة في العصر الأموي. وعاش طويلًا، فكان له في العصر العباسي شأن وأقام ببغداد، فاتصل بالمهدي وغيره من الخلفاء، وصنف كتابًا في «الأغاني» جمع فيه نحو ثلاثة ألاف صوت، أهداه إلى عبد الله بن طاهر. وتوفي ببغداد نحو سنة ٢٢٠ هـ/ نحو ٨٣٥ م. ترجمته في: الأغاني/ ٦/ ١٨٣ - ٢٠٠، الأعلام ٨/ ١٧١.