غناء المتقدمين ويستفيد منه أشياء فاق بها نظراءه، وكان يحيى بعد ذلك إذا سئل بحضرته عن شيء صدق فيه، وإذا غاب إسحاق خلط فيما سئل عنه.
قال إسحاق يومًا للرشيد قبل أن تصلح الحال بينه وبين يحيى المكي: أتحب يا أمير المؤمنين أن أظهر لك كذب يحيى فيما ينسبه من الغناء؟ قال: نعم، قال: أعطني أي شعر شئت حتى أصنع فيه لحنًا وسلني بحضرته عن صانعه، فإني سأنسبه إلى رجل لا أصل له، وسلني، وسل يحيى عنه إذا غنيته، فإنه لا يمنع أن يدعي معرفته، فأعطاه شعرًا، وصنع فيه لحنًا، وغنّاه الرشيد بحضرة يحيى، فسأله لمن هو؟، فقال له إسحاق: لعتاريس المدني، فاقبل الرشيد على يحيى، فقال له: لقيت عتاريس اليمني؟ قال: نعم وأخذت عنه صوتين ثم غنّى صوتًا، وقال: هذا أحدهما؛ فلما خرج يحيى، حلف إسحاق بالطلاق ثلاثًا، وعتق جواريه إن الله جل وعزّ ما خلق أحدًا اسمه عتاريس، ولا سمع في المغنين، ولا غيرهم، وأنه وضع هذا الاسم في وقته.
قال زُرزُر مولى علي المالقي، قال إبراهيم بن المهدي يومًا لمولاي: ويلك يا مارق إن يحيى المكي غنّى البارحة أمير المؤمنين ذكر فيه صوتًا فيه زينب، وكان النبيذ أخذ مني، فأنسيت شعره، فاستعدته إياه، فلم يعده، فاحتل لي عليه حتى تأخذه لي منه ولك علي سبق، فقال لي مولاي: اذهب إليه، وأعلمه أني أسأله أن يكون اليوم عندي. فمضيت إليه، فجئت به، فلما قعدنا، ووضع النبيذ، قال له المارقي: إني كنت سمعتك تغني صوتًا فيه ذكر زينب، وأنا أحب أن آخذه منك. وكان يحيى يوفي هذا الشأن حقه، ولا يحضر إلا بحذر، ثم لا يدع الطلب والمسألة، ولا يلقي صوتًا إلا بعوض، فقال له: وأي شيء العوض إذا ألقيت عليك هذا الصوت؟ فقال: ما تريد؟، فقال: هات الولية الأزمنية. أما آن لك أن تملّها، قال بلى وهي لك، قال: وهذه الظباء الحرمية؟ أنا مكي وأنا أولى بها منك. قال: هي لك؟ وأمر بحمل ذلك إليه، وقال:
غلام هات العود، فقال يحيى: والميزان والدراهم. وكان لا يغني صوتًا إلا بخمسين درهمًا، فأعطاه إياها، وألقى عليه الصوت وهو (١): [من الطويل]
بزينب ألمم قبل أن يظعنَ الركب … وقُلْ: إِنْ تَملِّينا فَمَا مَلَّكِ القَلْبُ
فلم يشك المارقي أنه قد أخذ الصوت الذي طلبه إبراهيم، وأدرك حاجته، فبكر إلى إبراهيم، وقد أخذ الصوت فقال: جئتك بالحاجة، فدعا بالعود فغنّاه إياه، فقال:
لا والله ما هذا هو، وقد خدعك، فعاود الاحتيال عليه.