للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

جارية محسنة، ونبيذًا، ولم يطعمنا شيئًا، ولم نكن أكلنا، فأمر موسى غلامه فذهب، فاشترى لنا خبزًا وبيضًا، ودخلنا الكنيف، فجلسنا نأكل، فدخل إلينا، فلما رآنا نأكل خاصمنا، وقال: أهكذا يفعل الناس تأكلون، ولا تطعموني، وجلس معنا في الكنيف يأكل كما نأكل حتى فتي ذلك.

قال إسحاق: غنّى سليم يومًا وبرصوم يزمر عليه بين يدي الرشيد فقصر في موضع صيحة، فأخرج برصوم الناي من فمه ثم صاح: يا عبد الله صُمّه أشد من هذا، فضحك الرشيد حتى استلقى، قال إسحاق: وضحكت أنا ضحكًا ما أذكر أني ضحكت قط مثله.

قال محمد بن الحسن: إنما أخر سليمًا عن أصحابه في الصنعة ولعه بالأهزاج، فإن ثلثي صنعته هزج.

وغنّى سليم بين يدي الرشيد ثلاثة أصوات من الهزج، فأطربه، فأمر له بثلاثين ألف درهم وقال: لو كنت حكم الوادي، ما زدت على هذا الإحسان في أهزاجك شيئًا.

[٥١] ابن عباد الكاتب (١)

جمع الصنعتين فأبدع، وفاق فيهما، لكنه سر من أرى دون سروره من أسمع. كان في الغناء للخِلْبِ خالبًا، وللُب سالبًا، وللسرر جالبًا، وللهم الذي شد خناقه على الصدور غالبًا، وله طُرَفٌ تحكمي، وغرائب تروى، وأثار تنقل، وأصوات تطرب.

قال أبو الفرج الأصفهاني: قال ابن عباد: إني لأمشي بأعلى مكة في العشر، إذا أنا بمالك على حمار له، ومعه فتيان من أهل المدينة، فظننت أنهما قالا له: هذا ابن عباد، فمال إلي، فملت إليه، فقال لي: أنت ابن عباد؟ فقلت: نعم، فقال: مل معي ههنا، فأدخلني شعب ابن عامر. ثم أدخلني دهليز ابن عامر، قال: غنني، قلت: أغنيك، وأنت مالك؟ وقد كان يبلغني أنه ينكت أهل مكة، ويتعصب عليهم، فقال: بالله إلا غنيتني صوتًا من صنعتك، فاندفعت فغنيته (٢): [من الوافر]


(١) ابن عباد: محمد بن عباد، مولى بني مخزوم، وقيل: إنه مولى بني جمح، ويكنى أبا جعفر، مكي، من كبراء المغنين من الطبقة الثانية منهم، وقد أخذ يونس الكاتب عنه الغناء، متقن الصنعة كثيرها، وكان أبوه من كتاب الديوان بمكة، فلذلك قيل: ابن عباد الكاتب.
ترجمته في: الأغاني ٦/ ١٨١ - ١٨٢.
(٢) الأغاني ٦/ ١٨١ - ١٨٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>