قال: غضب الرشيد على أم جعفر، ثم ترضاها، فأبت أن ترضى عنه، فأرق ليلة، ثم قال: افرشوا لي على دجلة، ففعلوا فقعد ينظر إلى الماء، وقد زاد زيادة عجيبة، فسمع غناء في هذا الشعر (١): [من الطويل]
فسأل عن الناحية التي فيها الغناء، فقيل: دار ابن المسيب فبعث إليه بأن ابعث لي بالمعنى، فبعث به، فإذا هو الزبير بن دحمان، فسأل عن الشعر، فقال: هو للعباس بن الأحنف، فأحضره، فاستنشده إياه، وجعل الزبير يغنيه، والعباس ينشده، وهو يستعيدهما حتى أصبح، وقام فدخل على أم جعفر، فسألت عن دخوله، فعرفته، فوجهت إلى العباس بن الأحنف بألف دينار، وإلى الزبير بألف دينار.
ومنهم:
[٦١] عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع (٢)
بيت رفيع، وقوم لهم بالفضل الربيع من طراوة ندى، وطلاوة جدى، ورونق
(١) للعباس بن الأحنف في ديوانه ٤٤ - ٤٥، الأغاني ١٨/ ٣١٦. (٢) عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع، والربيع - على ما يدعيه أهله - ابن يونس بن أبي يونس فروة. وقيل: إنه ليس ابنه، وآل أبي فروة يدفعون ذلك ويزعمون أنه لقيط، وجد منبوذا فكفله يونس بن أبي فروة، ورباه، فلما خدم المنصور ادعى إليه … وكان شاعرًا مطبوعًا ومغنيًا محسنًا، جيد الصنعة، نادرها، حسن الرواية، حلو الشعر، ظريفه، ليس من الشعر الجيد الجزل، ولا من المرذول، ولكنه شعر مطبوع ظريف مليح المذهب من أشعار المترفين وأولاد النعم. وفي الأغاني: حدثني أبو بكر الربيعي. قال: حدثتني عمتي - وكانت ربيت في دار عمها عبد الله بن العباس - كان عبد الله لا يفارق الصبوح أبدًا إلا في يوم جمعة أو شهر رمضان وإذا حج. وكانت له وصيفة يقال لها هيلانة قد رباها وعلمها الغناء، فاذكره يومًا وقد اصطبح، وأنا في حجره جالسة، والقدح في يده اليمنى وهو يلقي على الصبيه صوتًا أوله: صدع البين الفؤادا … إذ به الصائح نادي فهو يردده ويوميء بجميع أعضائه إليها يفهمها نغمه، ويوقع بيده على كتفي مرة، وعلى فخذي أخرى وهو لا يدري حتى أوجعني. فبكيت وقلت: لقد أوجعتني، مما تضربني وهيلانة لا تأخذ الصوت، وتضربني أنا. =