للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الفعل حتى بألسن الأموات. متى رفع عقيرته، متع جيرته لضرب لا تدعيه مطمعه، ولا تعيه الآن مسمعه. أكثر استنهاضًا من الحمية في الأمور، وأكبر إعراضًا من صد الكؤوس عن الخمور، وله في مجالس الخلفاء ولوج حيث يرى اذن، ولا يقبل الآراء أفن.

قال أبو الفرج: كان الرشيد بعد قتله البرامكة شديد الندم على ما فعله بهم، ففطن الزبير لذلك، وكان يغنيه في هذا المعنى، فيحركه، فغناه يومًا (١): [من البسيط]

مَنْ للخُصُومِ إِذا جَدَّ الخِصَامُ بِهمْ … يومَ الجياد، ومَنْ للصُّمَّرِ القُوْدِ

فَرَّجْتَهُ بلسان غيرِ مُشتَبةٍ … عندَ الحِفاظ وقلب غيرِ رِعْدِيدِ

وموقف قد كفنت الناطقين به … في مجمع مِنْ نَواصِي النَّاسِ مشهُودِ

فقال له الرشيد: أعد فأعاد، فقال: ويحك كَأنَّ قائل هذا الشعر يصف به يحيى بن خالد، وجعفر بن يحيى، وبكى حتى جرت دموعه ووصل الزبير بصلة سنية.

قال إسحاق: كان عندي الزبير بن دحمان، يومًا فغنيت لأبي (٢): [من الطويل]

أَشَاقَكَ مِنْ أَرْضِ العِراقِ طُلُولُ

فقال الزبير: أنت الأستاذ وابن الأستاذ السيد، وقد أخذت عن أبيك هذا الصوت، وأنا أغنيه أحسن من هذا، فقلت له: والله إني لأحبّ أن يكون كذلك، فغضب وقال: أنا والله أحسن غناءً منك، ومن أبيك. فتلاحينا طويلًا، فقلت له: هلم نخرج إلى صحراء الرقة، فيكون أكلنا وشربنا هنالك، ونرضى في الحكم بالأول ممن يطلع علينا، فقال: افعل، فأخرجنا طعامًا وشرابًا، وجلسنا على الفرات نشرب، فأقبل حبشي يضرب الأرض، فقلت له: ترضى بهذا؟ فقال: نعم فدعوناه، فأطعمناه، وسقيناه، وبادرني الزبير بالغناء، فغنى الصوت، فطرب الحبشي، وحرّك رأسه حتى طمع الزبير، ثم أخذت العود، فغنيته، فتأملني الحبشي ساعة وصاح: وأي شيطان أنت، ومد بها صوته، فما أعلم أني ضحكت مثل ضحكي يومئذ، وانخزل الزبير، واستحيا.


= ودينًا، وأدبًا، وسكونًا، ووقارًا. وكان أبوه قبله كذلك. وقدم معه أخوه عبيد الله.
ترجمته في الأغاني ١٨/ ٣٠٨ - ٣١٨.
(١) الأغاني ١٨/ ٣١١.
(٢) صدر بيت لأبي العتاهية وعجزه:
«تحمل منها جيرة وحمول»
دوانه ٣٣٢، الأغاني ١٨/ ٣١٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>