افعلن كما أفعل، وجعل يدور في الدار ويقول (١): [من مجزوء الرجز]
يا دار دوريي … يا قوم أموني
آليت منذُ حِيْنِ … حقًا لتصْرِميني
إن لم تُواصلوني … بالله فارحميني
لم تذكري يميني
قال: فلم يزل يدور كما تدور الصبيان، ويدورون معه حتى خر مغشيًا عليه ما يعقل، ولا يعقلن، فابتدره الخدم، فأقاموا من كان على ظهره من الجواري، وحملوه حتى أدخلوه.
قال إسحاق: أخبرت عن حكم الوادي. قال: كنت أنا وجماعة من المغنين نختلف إلى معبد نأخذ منه، ونتعلم فغنانا يومًا ما صنعه وأعجب به هو:[من البسيط]
القصر فالنَّخلُ فالجماءُ بينهما … أشهى إلى القلبِ مِنْ أبوابِ جَيْرُونِ
فاستحسناه، وكنت أول من أخذه عنه ذلك اليوم، فاستحسنه مني، وأعجبته نفسه، فلما انصرفت عملت فيه لحنًا آخر، وبكرتُ إلى معبد مع أصحابي، وأنا معجب بلحني؛ فلما تغنينا أصواتنا، قلت له: إني قد عملتُ بعدك لحنًا في الشعر الذي غنيت فيه. واندفعت فغنيته لحني، فوجم معبد ساعة يتعجب منه، ثم قال: قد كنت أمس أرجى مني اليوم لك وأنت اليوم أبعد من الفلاح، قال حكم الوادي: فأنسيت - علم الله - صوتي منذ تلك الساعة، فما ذكرته إلى وقتي هذا.
[٢٢] ابن سريج (٢)
مطرب كان في أصحابه من أهل الانتهاء نظير موافقة ابن سريج في الفقهاء لم يكن إلا من يذعن بتقدمه، ويهابه فلا يكلمه إلا [عند] تبسمه، ويفتح وما سمعه، ويلتقط ويتشطط بأمانته، ويشترط ويُصلح خلله الكثير منه باليسير، ويتخذ منه ما يُلقيه في
(١) ليزيد بن عبد الملك، الأغاني ١/ ٧٨. (٢) عبيد الله بن سُرَيْج، مولى بن نوفل بن عبد مناف، أبو يحيى: من أشهر المغنين وأصحاب هذه الصناعة في صدر الإسلام. كان يغني مرتجلًا فيأتي باللحن المبتكر. وهو من أهل مكة، وأول من ضرب بها على العود بالغناء العربي. قال إبراهيم الموصلي: ما كان ابن سريج إلا كأنه خلق من كل قلب فهو يغني له ما يشتهي! كانت ولادته سنة ٢٠ هـ/ ٦٤٠ م ووفاته سنة ٩٨ هـ/ ٧١٦ م. ترجمته في: الأغاني ١/ ٢٤٣ - ٣١١، وورد اسمه في نسخها مختلفًا: عبيد الله. وعبيد. وعبد الله، الأعلام ٤/ ١٩٤.