تعط حاجتك، فقال: يا أمير المؤمنين تأمر بأن يملأ هذا المكان دراهم، وكان بين يديه كانون عظيم فأمر به فملئ.
فلما حصلها قال: يا ناقص الهمة والله لو سألت أن أملأها دنانير لفعلت، فقلت: أقلني يا أمير المؤمنين. قال: لا سبيل إلى ذلك ولم يسعدك الجد به. وتمام الصوت الذي اقترحه موسى الهادي على هاشم بن سليمان:
بحديثك الحَسَنِ الذي لوْ حُلِّفَتْ … وَحْشُ الفلاة به لجئن سراعا
وإذا مَرَرْتِ على البهارِ مُنَضدًا … في السُّوقِ هيج إليك نراعا
والله لو علم البهارُ بأَنَّها … أَضْحَتْ سميَّتَهُ لطالَ ذِرَاعًا
[٤٢] عمرو ابن بانة (١)
مفيد في طرب، ومجيد إذا ضرب، طالما غنّى فخرَّق كل حجاب، واستنفق العبرة بغير حساب. كم له في الطرب دقة داخلة، ويد غير باخلة بكل إشارة وافية، وعبارة للعود الأعجم، بما يتخير من معاني العرب كافية. كم حضر في مجلس، فقال السرور ما غبت، وانجح فقال لا استحقاق ما خبت، وكان مهما حضر دار الخلافة استقله معروفها، ودنت إليه قطوفها، فكان أنَّى أَمَرَ الدهر ائتمر، ومهما غرس الطرب في سمع اجتنى الثمر.
قال أبو الفرج: كان نابهًا معجبًا، وكان ينادم الخلفاء على ما فيه من الوضح، وفيه يقول الشاعر (٢): [من المتقارب]
أقول لعمرو، وقد مرَّبي … فسلَّم تسليمةً خافِيَه
لئِنْ فَضَّلوكَ بحُسنِ الغناء … لقد فضَّل الله بالعافية
قال أبو معاوية الباهلي: سمعت عمرو ابن بانة يقول لإسحاق في كلام جرى بينهما: ليس كمثلي يقاس بمثلك؛ لأنك تعلمت الغناء تكسبًا، وتعلمته تطربًا، وكنت أضرب؛ لأن لا أتعلمه، وأنت تضرب؛ لأن تتعلمه.
(١) عمرو ابن بانة عمرو بن محمد بن سليمان بن راشد، مولى ثقيف، وبانة أمه نسب إليها: نديم، من الشعراء العلماء بالغناء. كان خصيصًا بالمتوكل العباسي. منزله ببغداد ووفاته بسامراء سنة ٢٧٨ هـ/ ٨٩١ م له كتاب في «الأغاني». ترجمته في: وفيات الأعيان ١/ ٣٩١ والأغاني ١٤/ ٢٦٠ - ٢٧٥، الاعلام ٥/ ٨٥. (٢) الأغاني ١٥/ ٢٦٠.