حكاية الجارية التي أخبر سليمان بن عبد الملك أنها عرضت له، وهو خارج إلى الجمعة، وأنشدته (١): [من الخفيف]
أَنْتَ خيرُ المَتَاع لوْ كُنْتَ تَبْقَى
البيتان، وأنه أعرض بوجهه، فلم تَدَّر عليه الجمعة إلا وهو تحت التراب. قال: فبكى المأمون والناس، فما رأيت أكثر باكيًا من ذلك اليوم. والبيتان لموسى شهوات.
ومن شعر أبي عيسى وله فيه صنعة (٢): [من مجزوء الخفيف]
وَقَدَتْ عَنْكَ سَلْوَتي … والهَوَى ليسَ يَرْقُدُ
مدور وأطار السُّهادَ عَنْـ … ـيَ فنومِي مُسَهَّدُ
أَنْتَ بالحُسْنِ مِنْكَ يا … أَحْسَنَ الناسِ تَشْهَدُ
وفؤادي بحسن وجْ … هِكَ يَشْقَى وَيَحْمَدُ
[٧١] علوية (٣)
كوكب أفق، وسحب أنواء دفق، توقل منارًا، وتوقد شجره الأخضر نارًا، صنع غرائب الألحان، وظهر بعجائب الامتحان، وأدنته مجالس الخلفاء وأدنته بالزيادة على الأكفاء، وحلّت له عقدة الخط، وعقلة الزمن الفظ، فباء بالنعم الوافرة، وآب بالآمال النافرة، وراد معانده خاسر الصفقة خاسئ الرفقة، لا يضم رجاؤه على النجاح كشحا، ولا يأتيه دقائق الرزق إلا رشحا.
قال أبو الفرج؛ قال: أبو عبد الله بن حمدون: حدثني أبي قال: اجتمعت مع
(١) صدر بيت لموسى شهوات في الأغاني ١٠/ ٢٣٤ وعجزه: «غير أن لا بقاء للإنسان» (٢) الأغاني ١٠/ ٢٣٥. (٣) علوية: عليّ بن عبد الله بن سيف، أو يوسف، أبو الحسن، المعروف بعلوية، موسيقي بغدادي، أصله من السغد (بين بخارى وسمرقند) تخرج على إبراهيم الموصلي وبرع في الغناء والتلحين والضرب بالعود. وغنى للأمين العباسي، وعاش إلى أيام المتوكل. قال أبو الفرج: «كان مغنيًا حاذقًا، ومؤدبًا متقدمًا، مع خفة، روح، وطيب مجالسة، وملاحة نوادر» وكان إسحاق بن إبراهيم يتعصب له على «مخارق» ومات بعد إسحاق بقليل. وكان الواثق العباسي يقول: «غناء علوية مثل نقر الطست، يبقى ساعة في السمع بعد سكوته!» وكان أعسر، عوده مقلوب الأوتار: البم أسفل الأوتار كلها، ثم المثلث فوقه، ثم المثنى، ثم الزير. له أخبار مع الأمين والمأمون والمعتصم وإبراهيم ابن المهدي وغيرهم، كانت وفاته سنة ٢٣٦ هـ/ ٨٥٠ م. ترجمته في: الأغاني ١١/ ٣٣٤ - ٣٦٦، الأعلام ٤/ ٣٠٣.