للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وأنا شيخ، وقد انقطعت وأنت شاب، فقلت للجماعة: إن رأيتم أن تسألوه يشفعه فيما طلبت منه. فسألوه فاندفع فغناه، وأعاده ثلاث مرات، فما رأيت أحسن من غنائه حتى كبر سنه ونقصان صوته، ثم قال: غنّه، فغنيته، فطرب الشيخ حتى بكى، وقال: اذهب يا بني، فأنت أحسن الناس غناء، وإن عشت؛ ليكونن لك شأن.

[٢٧] سائب خاثر (١)

مطرب حرّك بغنائه معاوية الحكيم، وحرض على الإنفاق عبد الله بن جعفر الكريم، وأحدث للعرب ما لم تكن تعهد، ونفث، فلم يكن يخلو من نفثاته بيت، ولا معهد. اقترح في الغناء، وفتح فيه للبناء، تقيل عن الفرس غرائب الضروب، وغرائز الفكر التي ترنح كل طروب، وحظي لدى أشراف المدينة لغناء كل محل حباهم، ويحل مثل رباهم، إلا أنه جرى جري الجواد وترك الكل للجواد.

كان قدم إلى المدينة رجل فارسي يعرف ببسيط يغني بها، فأعجب عبد الله بن جعفر، فقال سائب خائر: أنا أصنع لك مثل غناء هذا الفارسي بالعربي، ثم غدا على عبد الله بن جعفر وقد صنع (٢): [من الكامل]

لِمَنْ الديار رسومُها قَفرُ


(١) سائب خائر، سائب بن يسار الليثي بالولاء، أبو جعفر: أحد أئمة الغناء والتلحين في العرب.
فارسي الأصل، كان أبوه مولى لبني ليث وأعتقوه. ونشأ سائب في المدينة، فاحترف التجارة وأثرى. وكان حسن الصوت، حلو المعشر. قال النويري: وهو أول من عمل العود بالمدينة وغنى به، وأول «صوت» غني به في الإسلام، من الغناء العربي المتقن، هو الأبيات التي أولها:
«لِمَنْ الديار، رسومها قفر».
من صنعة سائب. وقال الأصبهاني: لم يكن يضرب بالعود، إنما كان يقرع بقضيب ويغني مرتجلًا.
وهو أستاذ «معبد» المغني المشهور، و «ابن سريج» و «عزة الميلاء» وآخرين. وسمع معاوية غناءه مرارًا. وقيل في سبب تسميته «سائب خائر» إنه غنى صوتًا ثقيلًا، فقال من سمعه: هذا غناء خائر، أي غير محذوق، فلصق به لقبًا. ولما قدم جيش يزيد بن معاوية. وعليه مسلم بن عقبة المري، يريد دخول المدينة، خرج أهل المدينة لقتاله في «الحَرَّة» وكان في جملتهم «سائب خائر» فقتل في المعركة سنة ٦٣ هـ/ ٦٨٢ م.
ترجمته في: نهاية الأرب ٤/ ٢٦١، والأغاني ٨/ ٣٣٣ - ٣٣٩، وتهذيب ابن عساكر ٦/ ٦٢، الاعلام ٣/ ٦٨.
(٢) صدر بيت في الاغاني ٨/ ٣٣٥ وعجزه:
«لعبت بها الأرواح والقطر».

<<  <  ج: ص:  >  >>