للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

هشام، فقال له: يا عدو الله، أردت أن تفتن الناس، فأمسك عنه، وكان تياهًا، فقال له: ارفق بتيهك، فقال ابن عائشة: حقٌّ لمن كانت هذه مقدرته على القلوب أن يكون تياهًا. فضحك، وأطلقه فقال: ابن أبي الكتاب: فأنا أفعل كما فعل، وقدرتي على القلوب أكثر من قدرته كانت. ثم اندفع يغني في هذا الصوت، ونحن على جسر بغداد، وكان إذ ذاك على بغداد ثلاثة جسور معقودة، فانقطعت الجسور بالناس من ازدحام الخلق عليها، فأتي به الرشيد، فقال: يا عدو الله، أردت أن تفتن الناس، قال: لا والله يا أمير المؤمنين، ولكن بلغني أن ابن عائشة فعل مثل هذا في أيام هشام، فأردت أن أكون في أيامك، فأمر له بمال واحتسبه عنده؛ ليسمع غناءه.

قال يحيى بن يعلى بن معبد بينا أنا ليلة في منزلي في الرمضة أسفل مكة، إذ سمعت صوت عمر بن أبي الكناث كأنه معي، فأمرت الغلام، فأسرج لي دابتي، وخرجت أريده، فلم أزل أتبع الصوت حتى وجدته جالسًا على الكثيب العارض على بطن عرفة.

قلت: وهذا كذب لا شك فيه إذ لا يبلغ حاسة الأذن إلى بعض ذلك.

[٦٤] خُلَيْلان المعلّم (١)

رجل كان لما أراد مهيًا، خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا، كان يلقن القرآن ويعلم الغناء، ويقرب من هذا وهذا الإدناء، وكان بابه الذكر في أهل الشان، تائه العطف لا يتقدم الزمان، لو جالس كئيبًا، لانشرح وحبيبًا مسكه تيه الحب لا طرح لألحان حرّها، وأصوات مثل بيت حان لم تصوّرها.

قال أبو الفرج: كان يعلم الصبيان القرآن ويعلم الجواري الغناء في موضع واحد.

قال بعضهم: وكنت يومًا عنده، وهو يردد على صبي: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٢) ثم يلتفت إلى صبية بين يديه يرددها


(١) خليلان المعلم: هو الخليل بن عمرو، مكي، مولى بني عامر بن لؤي، مقل لا تعرف له صنعة غير هذا الصوت، وكان أحسن الناس غناءً وأفتاهم وأفصحهم في عصره.
يلقب خُلَيْلان، وكان يؤدب الصبيان ويلقنهم القرآن والخط، ويعلم الجواري الغناء في موضع واحد. ترجمته في: الأغاني ٢١/ ٢٠٠ - ٢٠٤.
(٢) سورة لقمان: الآية ٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>