للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

المجلس من المغنين محمد بن الحارث، وقد شاع في المأمون الطرب فغناه (١): [من المنسرح]

لو كانَ حَوْلِي بنو أُميَّةَ لَمْ … يَنطِقْ رجالٌ أَرَاهُمْ نَطَقُوا

قال: فغضب المأمون، ودارت عينه في رأسه، وكان لا يكاد يغضب، فإذا غضب، بلغ غاية الغضب، ثم التفت إليه، فقال: تغنيني في وقت سروري، وساعة طربي في شعر تمدح فيه أعدائي، وأنت مولاي وربيب نعمتي؟! ادعوا أحمد ابن هشام، وكان على حرسه، وكان المأمون لا يمضي إلى موضع إلا ومعه صاحب شرطته وحرسه، وكان أحمد قاعدًا في حرّاقة على باب إسحاق في دجلة، فجاء أحمد حتى مثل بين يديه، وكان عبد الله بن طاهر قد قام ليجدد وضوءًا فقال أحمد: خذه إليك فاضرب عنقه وانتسفه من الأرض، ومرَّ به مبادرًا لينفذ أمره فيه، ولم يتهيأ لإسحاق كلام المأمون فيه وعدل إلى عبد الله بن طاهر، فأخبره الخبر، وقال: إن تهيأ هذا في منزلي يوم فخري وسروري كانت سنة عليّ، وعلى أهلي فهدأ أحمد، فسأله أن يتوقف، ويبادر إلى أمير المؤمنين يسأله العفو عنه، فقال عبد الله بن طاهر لأحمد في التوقف عنه، وجاء حتى قام بين يدي المأمون، وهو على غضب، فأمره بالجلوس، فأبي، فقال: ولم؟، قال: يا أمير المؤمنين نعمك عليّ جليلة، ومننك لدي نفيسة، وفي نفسي وأهلي عظيمة، وهذا يوم شرفت فيه ابن عمي إسحاق بزيارته، ورفعت بذلك من قدره، وأعلنت من ذكره، وقد كان من هذا الجاهل ما كان فلم في سعة خلق أمير المؤمنين، وكرم عفوه أن يعود عليه بفضله، والطّول بصفحه، ولا يخرجه إلى ما خرج من الأمر بقتله، فإنّ هذا شيء إن تهيأ في منزل خادمه كان سُبّة عليه وعلينا إلى آخر الدهر، هذا إلى حرمة محمد وخدمته، وأن الذي تم عليه كان بسوء الاتفاق لا العمد، فإن رأى أمير المؤمنين أن يعود بحلمه، ويراجع ما عوّد الله خدمه من العفو والإقالة.

قال: قد فعلت، وأمر بردّه إلى مجلسه، فجاء فوقف بين يديه، فقال: إياك ومعاودة مثل ما كان منك. وأخذ في لهو ولعب وسرور.

[٣٣] عبد الله بن طاهر (٢)

ملك علا علوّ النجوم، وجاد جواد الغيوم، وأجاد في كل ضرب من الإحسان،


(١) لعبيد الله بن قيس الرقيات في الأغاني ١١/ ٣٥٩، وديوانه ٧٢.
(٢) عبد الله بن طاهر بن الحسين بن مصعب بن زريق الخزاعي، بالولاء، أبو العباس: أمير خراسان، =

<<  <  ج: ص:  >  >>