علانية، قال: لا يصلح، قال: والله ما بيني وبينك شيء إني إن أقوله جهرًا. فقله، قال: أشتهي أن تسأل أبا الصالحات أن ينيكني فعسى صوتي أن ينصلح، ويطيب غنائي، فضحك أبو الصالحات وخجلت الجارية، وغطت وجهها.
قال أبو العباس: حدثني محمد بن الحارث بن يُسْخُر عن أبيه، قال: قال لي الرشيد: أنا على أن أتغدى عندك في غد. قال: فضاق علي من الأرض العريض فجئت إلى عبد الملك بن صالح، وقلت له: قد وقعت في بلية، قال: وما هي؟ قلت: زعم الرشيد أنه يتغدى عندي غدًا، فقال: اذهب ففرغ جهدك للقلايا والمعلكة، ولا تحفل بسوى ذلك، قال: ففعلت؛ فلما جاءني، قال: دعني من تخليطك، وهلم إلي بقلايا ومعلكة، قال: فجئت بها، فقال: ضع يدك على رأسي واحلف لتصدقني، قال: فوضعت يدي على رأسه وحلفت قال: من أشار عليك بهذا؟، قلت: عبد الملك بن صالح، قال: أما والله لو طولب بالعشرة آلاف التي عليه لما تفرغ لفضول الرأي.
قال محمد بن الحارث: كنت مع المأمون، وهو يريد بلاد الروم، ومعه عدة من المغنين فجلس يومًا والمعتصم والعباس، فبعث إلى المأمون بأصل شاهسفوص، وقد لف على رأسه حرير فجاءني الغلام، وقال: أعد الصوت فأخذته وشممته، ووثبت فغنيته قائمًا، ووضعت الأصل بين يدي، وقلت للمغنين: حكم لي أمير المؤمنين عليكم بالحذق بالغناء، قال: وكيف وقد دفع إليَّ لواء الغناء من بينكم؟، قالوا: ليس كما ذكرت، ولكن حياك إذ أطربته، والرسول قائم فانصرف بالخبر، فما لبث أن رجع، فقال كما قلت.
قال صنع محمد بن الحارث لحنًا في (١): [من مجزوء الكامل]
أصبحتُ عبدًا مسترقًا … أبكي الألى سكنوا دمشقا
أعطيتهم قلبي فَمَنْ … يبقى بلا قلب فأَبْقَى
وطرحه على المسدود الطنبوري، فوقع له موقعًا حسنًا، واستحسنه محمد بن الحارث منه، فقال له: أتحب أن أهبه لك؟، قال: نعم، قال: قد فعلت، فكان المسدود يغنيه ويدعيه، إنما هو لمحمد بن الحارث.
قال: دعا إسحاق بن إبراهيم المصعبي المأمون فصار إليه معه المعتصم وعبد الله بن طاهر وسائر جلسائه ومغنيه؛ فلما جلس المأمون على شرابه كان ممن حضر