يزيد وقد أجازه، وأحسن إليه، فجاء بما لم يأت أحد بمثله من عنده؛ فلما قرب من المدينة، نزل بذي خشب - على أربع فراسخ من المدينة - وكان واليها إبراهيم بن هشام المخزومي - ولاه هشام وهو خاله - وكان في قصره هناك، فقيل له: أصلح الله الأمير! هذا ابن عائشة قد أقبل من عند الوليد، فلو سألته أن يقيم عندنا اليوم فيطربنا، وينصرف من غد، فدعاه فسأله المقام عنده فأجابه إلى ذلك؛ فلما أخذوا في شرابهم، أخرج المخزومي جواريه، فنظر ابن عائشة وهو يغمز جارية منهن، فقال لخادمه: إذا خرج ابن عائشة يريد حاجة، فارم به، وكانوا يشربون فوق سطح يشرف على بستان؛ فلما قام ليبول، رمى به الخادم من فوق السطح، فمات فقبره هناك.
قال: وقال قوم: بل قدم المدينة فمات بها.
قال: فلما مات قال [أشعب](١): قد قلت لكم، ولكن لا يغني حذر من قدر، زوجوا ابن عائشة من ربيحة الساسانية، يخرج من بيتهما مزامير داود، فلم يفعلوا، وجعل يبكي، والناس يضحكون منه.
[٣] حُنين الحيري (٢)
مطرب لا يرتفع لديه رأس مطرق، ولا ينتفع معه أمل متشوّق، من سراة أهل الغناء وسراه الطرب للغناء يكاد سامعه يخرج من إهابه، ويحرق بالتهابه، ما حرّك عوده، إلا نعم، ولا بنت شفة إلا في نغم، لو سمعه جبل لتحرّك، أو دخل في أذن
(١) في الأصل: «ابن عائشة» وما أوردناه من الأغاني. (٢) حنين بن بلوع الحيري: شاعر غزل، موسيقي، من كبار المغنين. ولد في الحيرة وكان في صغره يحمل الفاكهة ويطوف بالرياحين على بيوت الفتيان ومياسير أهل الكوفة وأصحاب القيان والمطربين في الحيرة وغيرها، وكانت في روحه خفة. ثم جعل يكري الجمال إلى الشام وغيرها. وولع بالغناء والضرب على العود فأخذ عن علمائه وانفرد بصناعته في العراق، لا يزاحمه فيها مزاحم. وكان المغنون في عصره أربعة: ثلاثة في الحجاز (ابن سريج، والغريض، ومعبد) وهو وحده في العراق. فلما ذاعت شهرته كتبوا إليه أن يزورهم فشخص إليهم، وهم في المدينة، فاستقبلوه من خارجها، وقصدوا به منزل سكينة، والناس من حولهم، فأذنت سكينة للناس إذنًا عامًا، فامتلأ المنزل وسطحه. ولما جلس يغني أبياتًا من صناعته ازدحم الوقوف على السطح فسقط الرواق على من تحته، فسلموا جميعًا إلا حنينًا فانه مات تحت الهدم. نحو سنة ١١٠ هـ/ نحو ٧٢٨ م، فقالت سكينة: لقد كدر علينا حنين سرورنا، انتظرناه مدة طويلة وكأنما كنا نسوقه إلى منيته!. ترجمته في: الأغاني ٢/ ٣٣٤ - ٣٢٥، الأعلام ٢/ ٢٨٨.