للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الجماعة تعرف سوء خلقه وغضبه إذا سئل أن يغني، فاقبل بعضهم على بعض يتحدثون بأحاديث كثيرة وجميلة وغيرهما، يستخرجون بذلك أن يطرب فيغني، فلم يجدوا عنده ما أرادوا، فقلت له أنا: حدثني بعض الأعراب حديثًا، ما كل الأحاديث، فإن شتئم، حدثكم إياه، قالوا: هات، قلت: حدثني هذا الرجل أنه مرَّ بناحية الربذة فإذا صبيان يتغاطسون في غدير، فإذا شاب جميل منهوك الجسم، وعليه آثار العلة، والنحول في جسمه بين وهو جالس ينظر إليهم، فسلّمت فردَّ السلام، وقال: من أين وضح الراكب؟، فقلتُ: من الحمى، قال: ومتى عهدك به؟ قلت: رائحًا، قال: وأين كان مبيبتك؟ قلت: ببني فلان قال: أوه، وألقى نفسه على ظهره، وتنفس الصعداء نفسًا، قلت: قد خُرق حجاب قلبه، ثم أنشأ يقول (١): [من الطويل]

سَقي بَلَدَ أمستْ سُلَيمى تَحِلُّهُ … مِنَ المُزْنِ ما يُروى بِهِ ويُسيمُ

وإن لم أكن من قاطنيه فإنَّهُ … يَحِلُّ به شَخصٌ عليَّ كريم

ألا حبَّذا من [ليس] يعدلُ قُرْبَهُ … لَدَيَّ وإِنْ شَطَ المزارُ نَعِيمُ

ومَنْ لامَني فيه حميم وصاحب … فَرُدَّ بِغَيْظِ صاحب وحَمِيمُ

ثم سكت كالمغشي عليه فصحت بالصبيان، فأتوا بماء فصببته على وجهه، فأفاق، وأنشأ يقول (٢): [من الوافر]

إذا الصب الغريب رأى خُشُوعي … وأنفاسي تزين بالخضوع

ولي عين أضر بها التفاني … إلى الإجراع مطلقه الدموع

إلى الخلوات يأنس فيك قلبي … كما أَنس الغريب إلى الجميع

فقلت له: انزل فأساعدك، وأكثر عودي على نادي الحمى في حاجة إن كان لك أو رسالة؟، قال: جزيت الخير وصحبتك السلامة، امض لطلبتك فلو علمتك أنك تغني عني شيئًا، لكنت موضعًا للرغبة، وحقيقًا بإسعاف المسألة، ولكنك أدركتني في صبابة من الحياة يسيرة، فانصرفتُ وأنا لا أراه يمشي ليلته إلا ميتًا، فقال القوم: ما أعجب هذا الحديث؛ فاندفع ابن عائشة، فغنى في الشعرين جميعًا، فطرب وشرب بقية يومه، ولم يزل يغنينا إلى أن انصرفنا.

قال: وتوفي ابن عائشة في أيام الوليد بن يزيد، وقيل في أيام هشام بن عبد الملك.

قال المدائني: [حدثني] بعض أهل المدينة قال: أقبل ابن عائشة من عند الوليد بن


(١) الأغاني ٢/ ٢٢٥.
(٢) الأغاني ٢/ ٢٢٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>