للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وانصرف؛ فقد تركتني على مثل المِقْلَى من حرارة غنائك، فركبها على بساطه وانصرف. قال: وخرج ابن عائشة يومًا من عند الوليد بن يزيد وقد غناه (١): [من الوافر]

أَبَعْدَكَ مَعقِلًا أرجو وحصنًا … قد اغيثني المعاقل والحصون

قال: فأطرق وأمر له بثلاثين ألف درهم، وبمثل كارة القصار ثيابًا، فبينا ابن عائشة يسير إذا نظر إليه رجل من أهل وادي القرى كان يشتهي الغناء وشرب النبيذ، فدنا من غلامه، وقال: من هذا الراكب؟ قال: ابن عائشة المغني، فدنا منه فقال: جعلت فداك أنت ابن عائشة أم المؤمنين؟، قال: لا، بل أنا مولى لقريش وعائشة أمي، وحسبك هذا، ولا عليك أن تكثر. قال: وما هذا الذي أراه بين يديك؟ قال: المال والكسوة، قال: غنيتُ أمير المؤمنين صوتا فأطربه، فكفر وترك الصلاة، وأمر لي بهذا المال والكسوة، فقال: جعلت فداك، فهل تمن عليّ أن تسمعني ما أسمعته إياه، فقال له: ويلك أمثلي يكلّم بهذا في الطريق؟، قال: فما أصنع؟، قال: الحقني بالباب، وحراك ابن عائشة بغلة شقراء كانت تحته؛ لينقطع عنه، فغدا معه حتى أوفيا الباب كفرسي رهان، فدخل ابن عائشة، فمكث طويلًا طمعًا في أن يضجر فينصرف، فلم يفعل حتى قال لغلامه: أدخله؛ فلما أدخله، قال له: من أين صبك الله علي؟، قال: أنا رجل من أهل وادي القرى أشتهى هذا الغناء، قال له: هل لك فيما هو أنفع لك منه؟، قال: وما ذلك؟ قال: مائة دينار وعشرة أثواب تنصرف بها إلى أهلك، قال له: جعلت فداك إني لي لبنية ما في أذنها علم الله حلقة من الورق فضلًا عن الذهب، وإنَّ لي زوجة ما عليها شهد الله قميص، ولو أعطيتني جميع ما أمر لك به أمير المؤمنين على هذه الخلعة والفقر الذي عرفتكهما، وأضعفت لي ذلك، لكان الصوت أحبّ إلي .. وكان ابن عائشة تياهًا لا يغني إلا لخليفة، أو لذي قدر جليل من إخوانه، فعجب منه، وغناه الصوت، فطرب طربًا شديدًا، وجعل يحرّك رأسه حتى ظنّ إنّ عنقه ستنقصف، ثم خرج من عنده ولم يزده شيئًا، وبلغ الخبر الوليد بن يزيد، فسأل ابن عائشة عنه؟، فجعل يغيب عن الحديث، فعزم عليه الوليد، فعرفه فأمر بطلب الرجل فأحضره ووصله بصلةٍ سنية، وجعله من جملة ندمائه، ووكله بالسقي، فلم يزل معه حتى مات.

قال يونس الكاتب (٢): كنا يومًا متنزهين بالعميق أنا وجماعة من قريش فبينا نحن [على] حالنا إذ أقبل ابن عائشة ومعه غلام من بني ليث وهو مُتكئ على يده؛ فلما رأى اجتماعنا وسمعني أغني جاءنا فسلّم، وجلس إلينا، وتحدث معنا، وكانت


(١) الأغاني ٢/ ٢١٩.
(٢) ترجم له المؤلف برقم (٤٨).

<<  <  ج: ص:  >  >>