قال: غنّى ابن جامع للرشيد يومًا بيتًا، وهو هذا (١): [من السريع]
إني امرؤ مالي يقي عرضي … وبيت جاري آمنًا جهلي
فأعجب به الرشيد فاستعاده مرارًا، وأسكت ابن جامع سائر المغنين وجعل يسمعه ويشرب عليه، ثم أمر له بعشرة آلاف درهم وعشرة خلع وعشرة خواتيم، وانصرف فمضى إبراهيم الموصلي من وجهه إلى يحيى المكي فأخبره بالذي كان من ابن جامع واستغاث به، فقال له يحيى: أفراد على البيت الأول شيئًا، قال: لا، قال: أفرأيت إن زدتك بيتًا ثانيًا لم يعرفه إسماعيل أو عرفه ثم أنسيه، وطرحته عليك حتى تأخذه ما تجعل لي؟، قال: النصف مما يصل إلي بهذا البيت. قال: والله؟ قال: والله؛ فلما استوثق منه بالأيمان ألقى عليه:
فأخذه وانصرف؛ فلما حضر المغنون من غدٍ كان أول صوت غناه إبراهيم هذا الصوت، وتحفظ فيه، وأحسن فيه كل الإحسان، فطرب الرشيد عليه، واستعاده حتى سكر، وأمر لإبراهيم بعشرة آلاف دينار، وعشرة خواتيم، وعشر خلع، فحمل ذلك معه، وانصرف من وجهه إلى يحيى، فقاسمه، ومضى إلى منزله، وانصرف ابن جامع إليه من دار الرشيد، وكان يحيى في بقايا علة، فاحتجب عنه، فدفع ابن جامع في صدر بوابه، ودخل إليه، وقال: إيه يا يحيى، كيف صنعت؟ ألقيت الصوت على الجرمقاني؟ لا دفع الله صرعتك، ولا وهب عافيتك، وتشاتما ساعة، وخرج ابن جامع من عنده، وهو مدوح.
قال يحيى المكي: أرسل إليَّ الرشيد، فدخلت عليه، وهو جالس على كرسي بتل دارا، فقال يحيى: غن (٢): [من الطويل]
متى تَلْتَقِي الأُلافُ والعَيْشُ كلَّما … تَصَعَّدْنَ مِنْ وَادٍ هَبَطْنَ إلى وادي
قال: فلم أزل أغنيه ويتناول أقداحًا إلى أن أمسى فعددتُ عليه عشر مرات استعاد فيها وشرب عليه عشرة أقداح، ثم أمر لي بعشرة آلاف درهم وأمرني بالانصراف.
[٥٣] حكم الوادي (٣)
تنقل في فنون الطرب، وتوقل الرجال في الطلب، وكان مثل حمامة الوادي
(١) الأغاني ٦/ ١٩٨. (٢) الأغاني ٦/ ١٩٥. (٣) حكم الوادي: أبو يحيى، الحكم بن ميمون، فارسي الأصل، مولى الوليد بن عبد الملك، وكان =