للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عندي أن يأخذ الصوت بلا ثمن، ولا حمد. لا والله إلا بأوفر الثمن، وبعد اعترافك وإلا فلا تطمع في الصوت، فقال له: أما إذ قد فطنت، فتغنّه الآن إن كان هو، وإلا فعليك إعادته بعينه، ولو غنيتني كل شيء تعرفه، لما أحسنت لك إلا به، فقال: اشتره.

فتساومنا طويلًا، وماكسته إلى أن استقر الأمر على ألف درهم، فدفعتها إليه وألقى (١): [من الكامل]

طَرَقَتْكَ زَيْنَبُ والمَزارُ بَعِيدُ … بِمِنّى ونحنُ مُعَرِّسُونَ شُهُودُ

فكأَنَّما طَرَقْتَ بِرَيَّا رَوضة … أُنُفٍ تُسَجِّحُ مَزْنَها وتَجُودُ

قال: وهو صوت كبير العمل حلو النغم كثير الصنعة، صحيح القسمة، حسن المقاطع، فأخذه وبكر إلى إبراهيم، فقال له: قد أفقرني هذا الصوت وأعراني، وابلائي بوجه يحيى، وشحذه، وشرهه. وحدثته بالقصة فضحك إبراهيم، وغناه إياه، فقال: هو هذا وأبيك هو بعينه، فألقاه عليه حتى أخذه وأخلف كل شيء أخذه يحيى منه، وزادهه خمسة آلاف درهم، وحمله على برذون أشهب بسرجه ولجامه، وقال له: يا سيدي فغلامك زرزر المسكين قد تردد إليه حتى طلع. هب له شيئًا، فأمر له بألف درهم.

قال: كان إبراهيم بن المهدي في مجلس محمد الأمين، والمغنون حضور، فغنّى يحيى المكي (٢): [من مجزوء الوافر]

خليل لي أهيم به … فلا كافي ولا شرا

فاستعاده إبراهيم، وأحبّ أن يأخذه، فجعل يحيى المكي يفسده، وفطن الأمين بذلك، فأمر له بعشرين ألف درهم، وأمره برده، وترك التخليط فيه. فدعا له، وقبل الأرض بين يديه، ورده الصوت وجوده فاستعاد إبراهيم، فقال له يحيى: لست تطيب نفسي لك به إلا بعوض من مالك ولا أنصحك والله؛ فهذا مال أمير المؤمنين مولاي، فلم تأخذ أنت غنائي؟ فضحك الأمين، وحكم على إبراهيم بعشرة آلاف درهم، فأحضره، وقبل يحيى يده، فأعاد الصوت وجود فنظر إلى مخارق وعلوية متطلعين لأخذه فقطع الصوت ثم أقبل عليهما، فقال: قطعة من خصية الشيخ تغطي أستاه عدة صبيان، والله لا أعدته بحضرتكما، ثم أقبل على إبراهيم بن المهدي، فقال له: يا سيدي أنا أصير إليك حتى تأخذه متمكنًا، ولا يشركك فيه أحد، فصار إليه، فأعاده حتى أخذه، وأخذ جواريه.


(١) الأغاني ٦/ ١٩٢ - ١٩٣.
(٢) الأغاني ٦/ ١٩٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>