للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فكان جوابه أن تمثل بقول الشاعر: [من البسيط]

ويلومني فيك أقوامٌ أُجالسُهُمْ … فَمَا أُبالي أَطارَ النوم أَمْ وَقَعَا

وبلغ عبد الله بن جعفر خبره، فبعث إليه النخاس، فاعترض الجارية، وسمع غناءها بهذا الصوت، وقال لها: ممن أخذتيه؟، فقالت: من عزة الميلاء، فابتاعها بأربعين ألف درهم، ثم بعث إلى الرجل، فسأله عن خبره، فأعلمه إياه، وصدقه عنه، فقال: أتحب أن تسمع هذا الصوت ممن أخذت عنه تلك الجارية؟ قال: نعم. فدعا بعزة الميلاء، وقال: غنيه إياه فغنته، فصعق الرجل، وخرَّ مغشيًا عليه، فقال ابن جعفر: أتمنا فيه الماء الماء فنضح على وجهه؛ فلما أفاق قال: أكل هذا بلغ بك عشقها؟، فقال: وما خفي عليك أكثر، قال: أتحب أن تسمع منها؟ قال: قد رأيت ما نالني حين سمعته من غيرها؟ فكيف تكون حالي إن سمعته منها؟ وأنا لا أقدر على ملكها، قال: أفتعرفها إن رأيتها؟، قال: أو أعرف غيرها؟ فأمر بها، فأخرجت، وقال: خذها فهي لك، والله ما نظرت إليها إلا عن عرض. فقبل الرجل يديه ورجليه، وقال: أنمت عيني، وأحييت نفسي، وتركتني أعيش بين قومي، ورددت إلي عقلي، ودعا له دعاء كثيرًا، فقال: ما أرضى أن أعطيها هكذا. يا غلام احمل معه مثل عنها، لكي تهيم بك، وتهيم بها.

[٥٨] فند مولى عائشة (١)

جملة عجز، وصدر صدّ، وحجر أشد من مرزمة الإبل توانيًا، وأعظم من مكدية الأمل تفانيا، أبطأ من الخيل نهوضًا، وأطول من كلب أهل الكهف ربوضًا. لو سابقه المقيد في الوثائق، لسبقه الطائر المقصوص الجناح، لبلغ قبله طلقه. يرى المخالفة


= الدين ورواية للحديث، وتقشفًا في العيش، وجرأة على وعظ الخلفاء والملوك. أصله من الفرس، ومولده في اليمن سنة ٣٣ هـ/ ٦٥٣ م ومنشأه فيها. توفي حاجًا بالمزدلفة أو بمنى سنة ١٠٦ هـ/ ٧٢٤ م، وكان هشام بن عبد الملك حاجًا تلك السنة، فصلى عليه. وكان يأبى القرب من الملوك والأمراء، قال ابن عيينة: متجنبو السلطان ثلاثة: أبو ذر، وطاوس، والثوري.
ترجمته في: تهذيب التهذيب ٥/ ٨، وصفة الصفوة ٢/ ١٦٠، وحلية الأولياء ٣/ ٤، وذيل المذيل ٩٢، ووفيات الأعيان ١/ ٢٣٣، الأعلام ٣/ ٢٢٤.
(١) فند، أبو زيد: مولى عائشة بنت سعد بن أبي وقاص، ومنشؤه المدينة، وكان خليعًا متهتكًا، يجمع بين الرجال والنساء في منزله.
ترجمته في: الأغاني ١٧/ ٢٧٩ - ٢٨١.

<<  <  ج: ص:  >  >>