ملتقط فوائد، ومحصل فرائد، تتعب ألف رائد، يبرر إلى محاسن المقال، وينظر إليه لا إلى من قال: يأخذ الغناء لا من الأمة الوكعاء، وينوي الغناء عن الأمة الخلعاء، وكان من أفراد أهل الطرب، ووراد ما منع منه من موارد الطلب.
وذكر ابن عساكر من أخباره ما ليس هذا مُوْضِعُه، ولا الذي يجب مُرْقِلُه، ولا مُوْضِعُه.
قيل: إنه قدم مكة على الرشيد وعنده [ابن] جامع، وإبراهيم، وابنه إسحاق، وفليح، وغيرهم. والرشيد يومئذ خائر به خمار شديد، فغنى ابن جامع، ثم فليح وإبراهيم، فما حركه أحد منهم، ولا أطربه فاندفع الهربذ يغنّي، فعجبوا من إقدامه في تلك الحال على الرشيد، فغن (٢): [من الكامل]
يَا رَاكِبَ العِيْسِ التي … وَخَدتْ إلى البيت الحرام
قال: فكاد الرشيد يرقص، واستخفّه الطرب حتى ضرب بيده ورجليه، وأمر له بعشرة آلاف درهم، فقال له: يا أمير المؤمنين لهذا الصوت خبر، فإن أذن لي أمير المؤمنين، حدثته. قال: حدث. قال: كنت مملوكًا لرجل من آل الزبير، فدفع إلي درهمين أبتاع له بهما لحمًا، فخرجت، فلقيت جارية على رأسها جرة مملوءة من ماء العقيق، وهي تغني بهذا اللحن في شعر غير هذا الشعر في وزنه ورويه، فسألتها أن تلعمنيه، فقالت: لا وحق القبر إلا بدرهمين، فدفعت إليها الدرهمين، فعلمتنيه، فرجعت إلى مولاي بغير لحم، فضربني ضربًا مبرحًا شغلت بنفسي معه، فأنْسيت الصوت، ثم دفع إلي در همين آخرين؛ لابتاع لهما لحمًا، فلقيت الجارية، فسألتها أن
(١) اسماعيل بن الهربة: مكي، ابن مولى لآل الزبير بن العوام، وقيل: بل مولى بني كنانة، أدرك آخر أيام بني أمية وغنى للوليد بن يزيد، وعُمر إلى آخر أيام الرشيد. ترجمته في: الأغاني ٧/ ١١٨ - ١٢٠. (٢) الأغاني ٧/ ١١٨.