للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بالبواري وإن شئت، فبالبردي من الحصر. فضج واضطرب فقال له الرشيد: وكيف كانت القصة؟ فقال له: أخطأت يا أبا صدقة إذ لم تسم النوع، ولم تجد القيمة فإن فرشها لك بالبواري، أو بما دون ذلك، فقد وفى بيمينه، وإنما خدعك، ولم تفطن أنت، ولا توثقت، وضيعت حقك. فسكت. وقال: نوفر عليه أيضا البردي والبواري - أعزه الله - وغنى المغنون حتى انتهى الدور إليه، فأخذ يغني غناء الفلاحين والملاحين والسقائين، وما جرى مجراه من الغناء. فقال له الرشيد: وأي شيء هذا من الغناء؟ ويلك من فرش داره البواري والبردي فهذا الغناء كثير منه، وكثير أيضا لمن هذه صلته. فضحك الرشيد وطرب وصفق، وأمر له بألف دينار من ماله فقال له: افرش دارك من هذه، فقال: وحياتك لا آخذها، أو يحكم لي عليه بما وعدني وإلا مت والله أسفا لفوت ما وعدني به. فحكم له جعفر بخمسمائة دينار، فقبلها جعفر، وأمر له بها.

[٦٣] عمرو بن أبي الكنات (١)

مطرب نهج السنين القديم، وأحل الغائب في محل النديم، وأسمع كل ذي إصغاء، وجمع كل ذي ابتغاء، وغنى والناس في صنوف المعايش لاهية قلوبهم، أشتاب مطلوبهم، بين دان ونازح، ومقبل على معاشه، ومقبل في رياشه، فجعلوا رؤيته دواب نواظرهم، وغناء شغل خواطرهم، حتى لكاد يطرب الحيتان في الماء، والطير صافات في جو السماء.

قال أبو الفرج الأصفهاني؛ قال بعضهم: وافقت ابن أبي الكناث في جسر بغداد في أيام الرشيد، فحدثته اتصل بي عن ابن عائشة في الموسم أنه مر به، فقال: إني أعرف رجلا لو تكلم لحبس الناس، فلم يذهب أحد، ولم يجيء، فقلت: ومن هذا الرجل؟، قلت: أنا. ثم اندفع يغني (٢): [من الوافر]

جرت سنحا فقلت لها أحيزى … نرى مشمولة فمتى اللقاء

قال: فحبس الناس، واضطربت المحامل، وكادت الفتنة أن تقع، فأتي به


(١) ورد في الأصل: «الكاتب» وصوبناه من الأغاني.
وهو عمرو بن عثمان بن أبي الكنات مولى بني جمع، مغن محسن، موصوف بطيب الصوت، من طبقة ابن جامع وأصحابه، وكان الرشيد يؤثره ويكرمه، وكان معجبا بنفسه.
ترجمته في الأغاني ٢٠/ ٣٧١ - ٣٧٦.
(٢) لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ٥٩/ الأغاني ٢/ ٢٠١.

<<  <  ج: ص:  >  >>