للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الله، ثم قال له: غنّ، فغناه في شعر العرجي (١): [من الطويل]

أفي رَسمِ دارٍ دَمعُكَ المُتَحَدِّرُ … سَقاها وما استبكأت ما ليس يخبرُ

تغيَّر ذاكَ الرَّبعُ مِنْ بَعْدِ جِدَّةٍ … وكلُّ جديدٍ مرةً يتغيَّرُ

فقال له سليمان: حُقَّ لك يا دلال أن يقال لك: أحسنت وأجملت، فوالله ما أدري أي أمريك أعجب: سرعة جوابك، أم حسن غنائك، وجودة فهمك، بل جميعًا عجب، وأمر له بصلة سنية، وأقام عنده شهرًا يشرب على غنائه، ثم سرحه إلى الحجاز.

قال: كان الدلال لا يشرب النبيذ، فخرج مع قوم إلى منزه لهم، ومعهم نبيذ، فشربوا وسقوه عسلًا مجدوحًا، فكان كلّما تغافل، صبوا عليه نبيذًا، فلا ينكر حتى كثر ذلك، وسكر وطرب، فقال: اسقوني من شرابكم، فسقوه حتى ثمل، ونام عريانًا، فغطاه القوم بثيابهم، وحملوه إلى منزله ليلًا فنوموه وانصرفوا عنه، فأصبح وقد تلونت ثيابه فأنكر نفسه، فحلف ألا يغني أبدًا، ولا يعاشر من شرب نبيذًا، فوفى بذلك إلى أن مات، وكان يجالس المشيخة والأشراف، فيفيض معهم في أخبار الناس وأيامهم حتى قضى نحبه.

[١٣] أبو سعيد (٢)

مولى فائد، رجل حق وباطل، وزينة محلّى وعاطل، لم يحط بمروءته الغناء، ولا أثر في مروته العناء، وكان على اشتهاره بالغناء، ومداومته، وإقامة شوقه ومقاومته من رجال أهل المدينة عرضًا مصونًا، وجنبًا حصينًا، لا ينظر بعين نقيصة ولا يرى إلا والمسامع على أصواته حريصة؛ فكان لا يرى مسؤولًا، ولا يبرح يداوي بريئًا ومتبولًا.

قال أبو الفرج الأصبهاني: ذكر أن أبا سعيد مولى فائد حضر مجلس محمد بن عمران التميمي قاضي المدينة لأبي جعفر المنصور، وكان مقدمًا لأبي سعيد، فقال له: يا أبا سعيد أنت القائل (٣): [من الطويل]


(١) ديوانه ٢٢٣.
(٢) أبو سعيد، مولى فائد، وفائد مولى عمرو بن عثمان بن عفان. وذكر ابن خرداذبة أن اسم أبي سعيد: إبراهيم. وهو يعرف في الشعراء بابن أبي سَنَّة مولى بني أمية، وفي المغنين بأبي سعيد مولى فائد. وكان شاعرًا مجيدًا، ومغنيًا ناسكًا بعد ذلك، فاضلًا مقبول الشهادة بالمعرفة. وعمر إلى خلافة الرشيد، ولقيه إبراهيم بن المهدي وإسحاق الموصلي وذووهما. وله قصائد جياد في مرائي بني أمية الذين قتلهم عبد الله وداود ابنا علي بن عبد الله ابن العباس. ترجمته في: الأغاني ٤/ ٣٢٤ - ٣٣٦.
(٣) الأغاني ٤/ ٣٢٥ - ٣٢٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>