للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والشعر لغيره، والغناء فيه له.

وبتنا ليلة في داره بالربوة وواديها يصفح وزاد بها ينشر البنفسج ينفح، والليل قد رق جلبابه، وعلق في جوّه ربابه، وهو تارة يحيينا من أناشيده، وتارة يطوينا طائره المترنم بتغريده حتى حان الصباح، ونحن لا نظن أن الليل قد نصف، ولا أن فرع الجوزاء قد تهدّل وتقصف، ثم التفت فإذا الصباح قد أشرق، وخمر الفجر قد شبّ إلا أنه ما أحرق، وتلفت يرى بكاء الظل في عيون النرجس ما رقا، والبرق بإزاء الليل الكافر ما رقى، وجبين الصبح سح ماءه وجبين الفجر سقطًا ينضح الشفق دماءه، فاندفع يغني: [من الطويل]

ألا حَبَّذا الوادي وروضُ البنفسج … وطيب شذًا من عَرفِهِ المُتأرج

وأغصان بانٍ في حفا فَيْهِ مُيّدٌ … بِكُلِّ قديم القد غير مُعَوَّج

وأنهار ماء في صفاء ورقّةٍ … يسسيلُ بِهِ مَا بَيْنَ رَوْضٍ مُدَبَّجٍ

كَذَوْبِ لُجَيْن أو كَمَتْنِ مُهَنَّدٍ … يمرُّ مُرورَ الزَّنْبَقِ المُترجرج

إذا قابلته الشمس أبصرتَ مُذْهَبًا … مِنَ الوَشِي يبدو بيرق وزبرج

وإِنْ جَعَدَتْهُ خَطْرَةٌ مِنْ نُسَيْمَةٍ … فيا حُسْنَ مَرأَى مَتْنِهِ المُتموّج

صار إذا رِيحُ الصَّبا نَفَحَتْ بِها … فبعدًا لأطلال الربي بمنعج

وكان له مملوك أفرط في حبه، وأخذ بمجامع قلبه، فغاله فيه حادث الموت، فحزن عليه حزنًا وبدت عن جفنه الغرار، وأحرم قلبه الفرار، فأتى صاحبنا الخطيب الصوفي وكان بينهما صداقة أكيدة، ومزاح فكه.

ثم أنشد لنفسه كأنه يعزيه وإنما قصد أنه يحزنه: [من الطويل]

لئِنْ باتَ يَا دَهَانُ مَمْلُوكُكَ الذي … بلغتَ بهِ في النفس ما كنتَ تَرْتجي

فَمَثْلُهُ بالأصباغ شكلًا وصورةً … وقدأ وردفًا واترك الحزن واملج

فقام الدهان بأقبح خزية وأضرّها، وأعظم كآبة وأشهرها، ثم قاطعه مدة، فلم يكلمه.

ومنهم:

[١٤٥] الكمال التوريزي (١)

سقطت إلينا أخباره سقوط الندى، وبدت لنا بدو البدور على بعد المدى، كان


(١) الكمال التوريزي: كان فرد زمانه، عارفًا بأخبار ملوك البيت الجنكزخاني وخصوصًا أولاد =

<<  <  ج: ص:  >  >>