للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أبا ريده، وأتى بكل بديع الصنعة لا يدني تدبيجها للغمام بعيد السمعة والذي صوّره أقرب شيء إلى الأفهام، ضائع فكره، ويد جاء فيها بألوان ما يسر الناظر، ويسير الديوان مما أبقى من محاسن أدب ودهان، وأمسك منها قلم الشعر والشعر لأنه حاز قصب الرهان، وغادر من أثر به خط ناظر امرئ وسمعه، نشر منها قطع الرياض، ونطف الغدر، إلا أن ذَهَبَ الأصيل طفح على إنائها الفضي من جوانبه، وفاض على ما كان يعاني من غب هاتين الصنعتين؛ فعززهما بثالث، بصون مثانٍ ومثالث، له في كل واحدة من هذه الثلاثة معان لا تتناهى، وصور قبل إبرازها إلى الخارج لا يتصوّرها أحد، ولا يعرف معناها في أي صورة ما شاء ركبها، وفي أي مذهب أراد أذهبها، وكان فريدًا في توقيع الألحان وتنوع الشكر بما يعق من تمام الفدام عن بنت الحان، وكان له بالربوة في وادي دمشق دار نقشها، زمانًا، وأخرج فيها جهد صناعة الثلث، فكتب عليها شعره وذهبها، ثم كان يغنيها إلحانًا. وكان يؤخذ عنه علم الطرب وكان علمًا فيه واحدًا، ومحركًا لا يدع في السماع القائم قاعدًا.

ومن شعره الذي صاغه شعرًا وألحانًا، وجمع فيه محاسن الدهر زمانًا، وأتقن تركيبه كأنما أضرمه إذهابًا، وأنفثه دهانًا، قوله: [من الخفيف]

إِنَّ فَصْلَ الرَّبِيعِ أَطْيَبُ فَضْلٍ … طالع وجْهُهُ بِكُلِّ سَعَادَة

طابَ في فَصْلِ صِيَّةٍ فَلهذا … كُلَّ يَومٍ جماله في زياده

تبرز الأرضُ مِنْهُ فِي سُنْدُسِ الوَشـ … ـي حاكتْ سَحَابُهُ أَبْرَادَه

لم يزل وردُهُ يُغازل للمنشور … حَتَّى شَقَّ الشَّقِيقُ فُؤَادَهُ

وقوله:

يَهِيجُ شَوْقي إليهِ كُلَّما صَدَحَتْ … تَدْعُو هَدِيلًا مَعَ الإِصْباحِ فِي فَنَنِ

حَمَامَةٌ وَجَدَتْ وَجْدِي فَلِي ولَها … قلبانِ شُدًا مَعَ الأَشواقِ في قَرَنِ

قامَتْ تَنُوحُ على سَاقٍ وقُمْتُ عَلَى … ساقٍ أَنُوحُ فَأَشْجَتْنِي وَلَمْ تُعِنِ

والشعر له وكذلك الغناء له فيه.

وله صوت مشهور لم يبق في زمانه من لم يقرّ له فيه إحسانه وهو: [من الرجز]

هَلْ حَيُّها على الغُوَيرِ واحِدُ … أَمْ أَقْفَرَتْ مِنْ زينب المَعَاهِدُ

خَفِيتُ حَتَّى مِنْ سَقَامِي والضَّنَى … لولا أنيني ما رآني العائد

حتَّى رَثَتْ لِي رَحْمَةً حَوَاسِدِي … يَا وَيْحَ مَنْ تَرْتِي لَهُ الحَوَاسِدُ

يا كعبة الحُسْنِ التي أحبُّها … فُؤَادُ مُضناك عليك واقد

كمْ سُقتُ في الهَوَى إليكُمْ مُقْلَتي … والحُرُّ مَنْ يَحفَظُ مَنْ يُعاهِدُ

<<  <  ج: ص:  >  >>