حضور عند بعض الرؤساء على مذاكرة ومعاقرة، والشيخ قد انتظم في سلك اجتماعنا، ونثرت الأغاني عقودها في أسماعنا، قال الشيخ: بيوم من أيام الشبيبة قد حضر مجلسًا كمجلسكم هذا آهلًا من الأدب والطرب وطرأ إلينا أبو البخاري، فأخذ في شأننا، ولم يأل في إنشادنا، وكان مطبوع الخلق، محتملًا للدعابة، فقلت له مازحًا: دعنا من أقطاعك الباردة، فقال: هل لك في الإنصاف؟، فقلت: أجل، فأنشد أبياته المذكورة، وقال: أمن الشعر البارد هذا؟ قلت: لا والله، وجعلت أعتذر إليه، وتعاطى روايتها جماعة الحاضرين شغفًا بها، واقترحها على بعض المغنين فغنّي فيها، وتصرم يومنا بسماعها حتى أخذ منا الشراب فيا له يومًا كأيام. ثم نطقت إشارته بالتأسف على ما مضى من زمانه، فقلنا له: نحن نتمم لك الحلف من يومك السالف باقتراح الغناء في الأبيات، وإليك ما يقتضيه سماعها، وتقدمنا إلى أبي القاسم عين الزمان وهو حاضر، وكان له مذهب في حسن الإيقاع، وجودة الاختراع، فغنّى بها في هذا اللحن، فطار المجلس بأهله سرورًا وطربًا، وقام الشيخ الخلفي يصفق بيده، ثم قال: والله لأؤدين هذا الصوت بنقض التوبة. وتناول كأسًا، فشربها، فدخلنا العجب مما رأينا من ارتياحه وطربه، وصار الصوت من قلائد عين الزمان وخاص غنائه، يسميه ناقض التوبة.
ومنهم:
[[٩٤] أبو العبيس بن حمدون]
متقن للألحان، مؤثر في الألقاب تأثير بنت الحان، لو تغنّى لمغنى لأزال عنه النصب، أو عاد لعوده لمشف لأزال عنه الوصب، أو وقع على دف لأغناه عن موصول القصب، يطرب السمع، ويرقص في المجلس حتى الشمع، يعرض دونه العريض، ويرى علوية وقد انكسر لخفض جناحه المهيض (١): [من الطويل]