للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

كأنَّ على كَبدِي جَمْرَةً … حذارًا مِنَ البَيْنِ مَا تَبْرِدُ

توفي أشعب سنة أربع وخمسين ومائة.

[٤٨] يونس الكاتب (١)

كمل بالطرب أدواته، وجعل حسن العود، دواته، وكانت أنامله بالوتر أليق من القلم، وأوفق بأمداده مما يمده المداد من الظلم. حلق فيه تحليق الطائر، وحقق فيه ما لا يحقق من النظائر، وأطرب من سمع، وأطرف كل مجتمع، حتى ألف إنعامه، وخلف لأنف الحاسد إرغامه، وقسم أنواع الضروب، وغال الأفئدة بالأكول الشروب.

قال أبو الفرج: هو أول من دون الغناء، ويقال: إنه خرج [إلى] الشام في تجارة، فبلغ الوليد بن يزيد مكانه، فلم يعلم يونس إلا ورسله قد دخلت عليه الخان، والوليد إذ ذاك أمير، فنهضت معهم حتى أدخلوني على الأمير لا أدري من هو؟، إلا أنه أحسن الناس وجهًا، فسلمت وأمرني بالجلوس ثم دعا بالشراب والجواري فغنيت (٢): [من الخفيف]

إن يعش مُصْعَبٌ فنحن بخير … قد أتانا مِنْ عَيشِنا ما نُرجي

ثم نهضت، فقطعت الصوت فقال: ما لك؟ فأخذت أعتذر من غنائي بشعر في مصعب، فضحك، وقال: إنَّ مصعبًا قد مضى وانقطع أثره، ولا عداوة بيني وبينه، إنما أريد الغناء، فامض في الصوت، فعدت فيه، فغنيته، ولم يزل يستعيده حتى أصبح، فشرب عليه مصطحبًا، وهو يستعيد في الصوت لا يجاوزه حتى مضت ثلاثة أيام. قلت: أيها الأمير جعلني الله فداك إني رجل تاجر، خرجت مع تجارة، وأخاف أن يرحلوا، فيضيع مالي، فقال: أنت تغدو غدًا، وشرب باقي ليلته وأمر لي بثلاثة آلاف دينار


(١) يونس بن سليمان بن كرد بن شہرار، من ولد هرمز: كاتب، شاعر، بارع في صناعة الغناء. منشأه ومنزله بالمدينة. سافر في تجارة إلى الشام، فاستدعاه الوليد بن يزيد (قبل أن يلي الخلافة) فأكرمه وسر به. ثم لما ولي، بعث إليه، فجاءه من المدينة، فلم يزل معه حتى قتل، فعاد يونس إلى المدينة، وتوفي بها نحو سنة ١٣٥ هـ/ نحو ٧٥٢ م. أخذ الغناء عن معبد وطبقته. وهو أول من دون الغناء في العرب. صنف كتابًا في الأغاني ونسبتها إلى من غنى بها، قال فيه الأصفهاني: إنه هو الأصل الذي يعمل عليه ويرجع إليه.
ترجمته في: الأغاني ٤/ ٣٩٠ - ٣٩٦، وانظر فهرسته. والنويري ٤/ ٣٠٩ والوسائل إلى مسامرة الأوائل ١٣٧، الاعلام ٨/ ٢٦١.
(٢) لعبيد الله بن قيس الرقيات في ديوانه ١٨٠، الأغاني ٤/ ٣٩٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>