أما أبي فبيع على غير عقد الإسلام، ولا عهده، فعاش عبدًا، ومات في رجليه قيد، وفي عنقه سلسلة على الأباق والسرقة، وولدتني أمي منه على غير رِشْدَة، وماتت وهي آبقة، وأنا من تعلم، فإن أراد صاحبك نكاحًا مباحًا، أو زنى صراحًا، فليهم إلينا، فنحن له. فقلت: إنه لا يدخل في الحرام، فقالت: ولا ينبغي أن يستحي من الحلال، فأما نكاح السر، فلا والله ما فعلته، ولا كنت عارًا على القيان أبدًا. فأتيت محمدًا، فقال: ويلك أتزوجها معلنًا وعندي بنت طلحة بن عبيد الله، لا، ولكن إرجع إليها، فقل لها: تختلف إلي أردّد بصري فيها لعلي أن أسلو. فرجعت إليها فأبلغتها الرسالة، فضحكت وقالت: أما هذا، فنعم.
[٤٦] عمرو الميداني (١)
مطرب مجالس، ومطري، مجالس وزند سرور قادح، وعهد حبور سلم من فادح، اقتصر على الطرب بالطنبور، فيبست العيدان، ويبست أن يحور صنعة الميدان، ووضع لها في الأصوات ما يناسب، وقنع منها بما تيسر من المكاسب، ثم ما ضم مصرورًا، ولا مضى مسرورًا.
قال أبو الفرج، قال علي بن أمية: دخلتُ على عمرو الميداني وكان له بقال على باب داره ينادمه، ويقترض منه إذا أعسر، فوجدته عنده، فقال: يا أبا عمرو معي أربعة دراهم اشتروا بها ما أحببتم، وعندي نبيذ، وأنا أغنيكم، والبقال يحضركم من الأبقال اليابسة مما في حانوته، فوجهنا البقال، فاشترى لنا لحمًا وخبزًا وفاكهة، وجاءنا من دكانه بحوائج سكباج ونَقْل، فبينا نحن نتوقع فراغ القدر إذا بغرانق يدق الباب، وقال: أجب إسحاق بن إبراهيم، فحلف علينا أن لا نبرح، ومضى هو، وأكلنا وشربنا، وانصرفت عشاء، وبكر إلي رسوله، فصرت إليه، فقلت له: اعطني خبرك، قال: أدخلت، فوضعت بين يدي مائدة كأنها خزعة يمانية، قد فرشت في عراصها أنواع الأطعمة، فأكلت وسقيت رطلين، فدفع إليّ الطنبور، فدخلت إلى إسحاق، فوجدته جالسًا وخلفه ستارة، وعنده مخارق وعلوية، فقال: أنت عمرو الميداني؟ فقلت: نعم،
(١) عمرو الميداني: رجل من أهل بغداد، كان ينزل الميدان، فعرف به، وكان لا يفارق محمدًا وعليًا ابني أمية، وأبا حشيشة ينادمهم ويغني في أشعارهم، وكان منزله قريبًا منهم، وهو أحد المسنين المتقدمين في الصنعة والأداء. ترجمته في: الأغاني ٢٣/ ١٤٩ - ١٥١.