اعتاد هذا القلبَ يَلْبالُهُ … إِذْ قُرِّبَتْ للِبيْنِ أَجْمالُه
قال عبد الصمد بن المعدّل: دخل يومًا خليلان المعلّم على عقبة بن مسلم الأزدي فاحتبسه عنده، فأكل وشرب فحانت منه التفاته، فرأى عودًا معلقًا، فعلم أنه عرض له به، فدعا به وأخذه، وغنى (٢): [من المديد]
يابنة الأزدي قلبي كثيبُ … مُستهامٌ عِنْدَهُ ما تتيب
والتفت فرأى وجه عقبة بن مسلم متغيّرًا، وقد ظن أنه عرض به، ففظن، فغنّى غيره، فسر عقبة وشرب؛ فلما فرغ وضع العود من حجره، وحلف بعد ذلك بالطلاق ثلاثًا أنه لا يغني إلا من يجوز أمره عليه.
والصوت الذي من صنعته (٣): [من المتقارب]
أَلا طَرَقَتْ في الدُّجى زينب … وأَحْبِبْ بزينب إذ تَطْرُقُ
عجبتُ لزينب أَنَّى سَرَتْ … وزينب من ظلّها تَغْرَقُ
[٦٥] عبيدة الطنبورية (٤)
مهز قضيب، وممر كثيب وزبيبة كباس، وحبيبة أناس. برعت في الضرب بالطنبور، وأسرعت إلى الصدور بالحبور، وعدلت عن العود وتعب صناعته، وتأبى طاعته، وصدود نشيزه وكثرة تعجيزه، إلى ما خف موقعًا، وكان مقنعًا، وجاءت فيه بكل إجادة، وجازت غاية العود وزيادة.
قال أبو الفرج؛ قال علي بن الهيثم اليزيدي: دعوت يومًا إسحاق الموصلي وكان يألفني، فقال: من عندك؟، قلت: محمد بن عمرو بن مسعدة وهارون بن هشام، وقد دعونا عبيدة الطنبورية، فقال: افعل؛ فإني كنت أشتهي أن أسمع عبيدة،
(١) لعمر بن أبي ربيعة في ديوانه ٤٩٩، الأغاني ٢١/ ٢٠٠. (٢) لعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق في الأغاني ١/ ٥٨، ٢١/ ٢٠١. (٣) لأبي رهيمة في الأغاني ٢١/ ١٩٩. (٤) عبيدة الطنبورية من المحسنات المتقدمات في صناعة الغناء والمعرفة والأدب، من أهل بغداد. وبعض علماء الفن من معاصريها يرون لها الرياسة والأستاذية في صناعتها. كانت من أحسن الناس وجهًا وأطيبهم صوتًا. وكان إسحاق بن إبراهيم يقول: الطنبور إذا تجاوز عبيدة هذيان. توفيت في أيام المعتصم العباسي نحو سنة ٢٢٥ هـ/ نحو ٨٤٠ م. ترجمتها في: الأغاني ٢٢/ ٢٠٧ - ٢١٤، والدر المنثور ٣٢٧، الأعلام ٤/ ١٩٩.