ولكن لي عليك شريطة، فقلت: هاتها، قال: إن عرفتني، وسألتموني أن أغني بحضرتها، لم يخف عليها أمري وانقطعت فلم تصنع شيئًا فدعوتها على جملتها، فقلت: افعل ما أمرت به، فنزل ورد دابته، وعرفت صاحبي ما جرى، وأكلنا ما حضر، وقدم النبيذ فغنت لحنًا (١): [من مجزوء الوافر]
قريب غير مقتَرِبِ … ومُؤتلفٌ كَمُجتَنِبِ
لهُ وُدّي ولي منْهِ … دَوَاعي الهم والكَرَبِ
أُواصله على سَبَبٍ … ويهجرني بلا سَبَبِ
ويظلمني على ثِقَةٍ … بأنَّ إليهِ مُنقلبي
فطرب إسحاق وشرب نصفًا، ثم غنت وشرب حتى والى بين عشرة أنصاف وشربناها معه، وقام يصلي، فقال لها هارون بن أحمد بن هشام: ويحك يا عبيدة ما تبالين والله متى مِتَّ؟ قالت: ولم؟، قال: أتدرين من المستحسن غناءَكَ والشارب عليه ما شرب؟ قالت: لا والله، قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: فلا تعرفيه أنك قد عرفتنيه؛ فلما جاء إسحاق ابتدأت تغني، فلحقها هيبة له، واختلاط، فنقصت نقصانًا بينًا، فقال لنا: أعرفتموها من أنا؟ فقلنا: نعم عرفها هارون بن أحمد، فقال إسحاق نقوم إذا فننصرف، فلا خير في عشرتكم الليلة، ولا فائدة لي، ولا لكم، ثم قام، فانصرف.
قال جحظة: حدثني شرائح، قال: كانت عبيدة تتعشقني، فتزوجت، فمرت بي يومًا، فسألتها الدخول إلي، فقالت: يا كشخان كيف أدخل إليك وقد أقعدت في بيتك صاحب مسلحة؟ ولم تدخل. قال: وكان لها غلام يضرب عليها، يقال له علي، ويلقب طير عبيدة، وكانت إذا خلت في البيت، وشبقت، اعتمدت عليه. وتقول: بغل الطحان يصلح للحمل، والطحن، والركوب.
قال: اجتمع الطنبوريون عند أبي العباس الرشيد يومًا، وفيهم المسدود وعبيدة:
فقالوا للمسدود: غنّ، فقال: لا والله لا تقدمت عبيدة وهي الأستاذة. فما غنى حتى غنت.
قال جحظة: وأهدى لي جعفر بن المأمون طنبورًا، فإذا عليه مكتوب (٢):