للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

إليه ودخل بها؛ فلما قام يواقعها ضرطت قبل أن يطأها، فكسل عنها ومقتها، وأمر بها فأخرجت، وبعث إلى الدلال فعرفه ما جرى عليه، فقال له الدلال: فديتك هذا من غيرة نفسها، فقال: دعني منك، فإني قد أبغضتها، فاردد إلي دراهمي، فرد بعضها، فقال: لم رددت بعضها، وقد خرجت كما دخلت؟ قال: للروعة التي أدخلتها على أستها. فضحك وقال: أنت أقضى الناس وأفقههم.

قال: خرج الدلال يومًا إلى نزهة مع فتية وكان معهم غلام جميل الوجه فأعجبه، وجلس يشرب، وسألوه أن يغنيهم فغناهم (١): [من الطويل]

زُبيريَّةٌ بالعَرْج منها منازل … وبالخِيْفِ مِنْ أَدْنى منازلهمْ رَسْمُ

أَسائِلُ عنها كلَّ ركب لقيتُهُ … وما لي بها مِنْ بَعْدِ مُكْثَتِها عِلْمُ

أيا صاحب الجاماتِ مِنْ بَطْنِ أرمدٍ … إلى البخل مِنْ ودَّانَ ما فعلتْ نُعْمُ

قال: فطرب القوم، وصاحوا فندر بهم السلطان، وتعادت الشرط، فأحسوا بالطلب فهربوا، وبقي الغلام والدلال ما يطيقان براحًا من فرط السكر، فأخذا وأُتي بهما أمير المدينة، فقال للدلال: يا فاسق، قال: من فمك إلى السماء، فقال: يا عدو الله ما وسعك بيتك حتى خرجت بهذا الغلام إلى الصحراء تفسق به؟، قال: لو علمت أنك تغار علينا، وتشتهي أن تفسق به سرًا ما خرجت به من بيتي، قال: جردوه واضربوه حدًا، قال: وأي شيء ينفعك هذا، وأنا والله أضرب في كل يوم حدودًا، قال: ومن يتولّى ذلك؟ قال: أيور المسلمين، قال: ابطحوه واجلسوا على ظهره، قال: أحسب أن الأمير قد اشتهى أن يراني كيف أناك، قال: أقيموه لعنه الله وأشهروه في المدينة مع الغلام، فأخرجا يدار بهما في السكك، فقيل له: ما هذا يا دلال؟، قال: اشتهى الأمير أن يجمع بين الرأسين، فجمع بيني وبين هذا ونادى علينا، ولو قيل له الآن: إنك قواد غضب، فبلغ خبره الوالي، فقال: خلوا سبيلهما، لعنة الله عليهما.

قال: كان سليمان بن عبد الملك يبلغه نوادر الدلال وطيب حديثه، فوجه مولى له، وقال: جئني به سرًا، فنفذ المولى إليه وأعلمه ما أمر به، فخرج معه إلى الشام، فدخل على سليمان ليلًا، فقال: ويلك ما خبرك؟ قال: خنثت من القبل مرة يا أمير المؤمنين، فهل تريد أن تخنثني الكرة من الدبر؟ وقال: أغرب أخزاك


(١) الأغاني ٤/ ٢٧٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>