للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

سوقة لظن أنه قد تملك وهو القائل (١): [من المنسرح]

أنا حنين ومنزلي النَّجَفُ … وما نديمي إلا الفتى القصف

أقرع بالكأس بطنَ باطيةٍ … مترعة تارة وأغرف

من قهوة باكَرَ التّجارُ بها … بابَ يهود قرارها الخَزَفٌ

فالعيش غَضُّ ومنزلي خَصِبٌ … لم يَعدُ لي شقوةٌ ولا عنف

قال إسحاق: قيل لحنين: أنت تغني من نحو خمسين سنة ما تركت لكريم مالًا ولا عقارًا إلا أتيت عليه، فقال: بأبي أنتم إنما هي أنفاسي أقسمها بين الناس، أفتلوموني أن اغلي بها الثمن؟

وكان حنين قد رحل إلى عمرو الوادي (٢)، وحكم الوادي (٣)، وأخذ منهما، وغنّى لنفسه في أشعار الناس فأحكم الصنعة، ولم يكن بالعراق غيره، فاستولى عليه من عصره.

وقدم ابن محرز حينئذ إلى الكوفة، فبلغ حنينًا خبره، فخاف أن يعرفه الناس، فيستحلونه، ويسقط هو، فلقيه فقال: كم منتك نفسك من العراق؟ قال: ألف دينار، قال: هذه خمسمائة دينار فخذها وانصرف.

قال: وكان بعض ولاة الكوفة في أيام بني أمية يذمّ الحيرة فقال له رجل من أهلها: أتعيب بلدة يضرب بها المثل في الجاهلية والإسلام؟، قال: وبماذا تمدح؟، قلت: بصحة هوائها، وطيب مائها، ونزهة ظاهرها، تصلح للحف والطلف. سهل وجبل، وبادية وبستان، بر وبحر، محل الملوك، ومرادهم ومسكنهم ومأواهم، وقدمتها - أصلحك الله - مخفًّا فأصبحت مثقلًا، ووردتها مقلًا فصارمتك مكثرًا، قال: وكيف نعرف ما وصفتها به من الفضل؟، قال: تصير إليها، ثم ادع بما شئت من لذات العيش، فوالله لا أجوز بك الحيرة فيه، قال: فاصنع لي صنيعًا من قولك. قال: أفعل، فصنع لهم طعامًا، فأطعمهم من خبزها وسمكها وما صيد من وحشها، من ظباء ونعام، وأرنب وحبارى، وسقاهم ماءها في قلالها، وخمرها في آنيتها، وأجلسهم على رقمتها، ولم يستخدم لهم عبدًا ولا حرًّا إلا من مولداتها، ووصائف كأنهم اللؤلؤ، لغتهم لغة أهلها، ثم غناهم حنين وأصحابه في شعر عدي بن زيد شاعرهم، وأعشى


(١) الأغاني ٢/ ٣٣٤.
(٢) ترجم له المؤلف برقم (٥٤).
(٣) ترجم له المؤلف برقم (٥٣).

<<  <  ج: ص:  >  >>