للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

همدان، لم يتجاوزهما، وحباهم برياحينها، ونقلهم بفواكهها، ثم قال: أرأيتني استعنت على شيء مما رأيت وأكلت وشربت وشممت وسمعت بغير ما في الحيرة، قال: لا، ولقد أحسنت في صفة بلدك، وأحسنت نصرته والخروج مما ضمنته، فبارك الله لكم في بلدكم.

قال عُبيد بن حنين الحيري: كان المغنون في عصر جدي أربعة نفر، ثلاثة بالحجاز، وهو وحده بالعراق، فالذين بالحجاز: ابن سريج، والغريض، ومعبد، وكان بلغهم أن حنينًا قد غنّى في هذا الشعر (١): [من الكامل]

هَلا بَكَيْتَ عَلى الزَّمانِ الذَّاهِبِ … وَكَفَفْتَ عَنْ ذَمّ المشيبِ الآيبِ

هَلا وَرُبَّ مُسَوِّفِينَ سَقَيْتُهُم … مِنْ خَمْرِ بابِلَ لَذَّةً لِلشّارِبِ

بَكَّروا عَلَيَّ بِسُحْرَةٍ فَصَحِبْتُهُم … بإناءِ ذي كَرَمٍ كعَبُ الحالبِ

بزجاجة ملء اليدين كأَنَّها … قنديلُ فِصح في كنيسة راهب

قال: فاجتمعوا، فتذاكروا جدّي وقالوا: ما في الدنيا أهل صناعة شر منا. لنا أخ بالعراق، ونحن بالحجاز لا نزوره، ولا نستزيره اكتبوا إليه، فكتبوا إليه ووجهوا إليه نفقة، وقالوا: نحن ثلاثة، وأنت واحد، فأنت أولى بزيارتنا، فشخص إليهم؛ فلما كان على مرحلة من المدينة، بلغهم خبره فخرجوا يتلقونه، فلم ير يوم كان أكثر حشدًا ولا جمعًا يومئذ، ودخلوا المدينة فلما صاروا ببعض الطريق، قال لهم معبد: صيروا. قال ابن سريج: إن كان لك في اليسر والمروءة ما لمولاتي سكينة بنت الحسين، عطفنا إليك، فقال: ما لي من ذلك شيء، فعطفوا على منزل سكينة، فأذنت لهم إذنًا عامًا فغُصت الدار بهم، فصعدوا في السطح، وأمرت لهم بالأطعمة، فأكلوا، ثم سألوا جدي أن يغنيهم صوته: [من الكامل]

هَلا بَكَيْتَ عَلَى الشَّبابِ الذّاهبْ

فغناهم بعد أن قالوا، ابدأوا أنتم ما كنا لنقدمك حتى نسمع هذا الصوت، فغناهم إياه، وكان من أحسن الناس صوتًا؛ فازدحم الناس على السطح، وأكثروا يسمعونه، فسقط الرواق على من تحته، فسلموا جميعًا، وأخرجوا أصحابه، سوى حنين، فإنه مات وحده تحت الهدم، فقالت سكينة: لقد كدّر حنين سرورنا، انتظرناه مدة طويلة كأننا كنا نسوقه إلى منيته (٢).


(١) الأغاني ٢/ ٢٤٨ - ٢٤٩.
(٢) جاء في كتاب سكينة بنت الحسين للسيد عبد الرزاق المقرم ص ٧٨ - ٨٣ ما نصه: =

<<  <  ج: ص:  >  >>