للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .


= إن السيدة سكينة لم تكن متروكة سدى ترتكب الشنع وتقتحم المخاريق وإنما كانت بمرصد من أخيها زين العابدين وابنه الباقر والصادق وبعين رعايتهم لها وهب أن الخلافة الصورية والسلطة العامة كانت مبتزة منهم لكن لم تبتز منهم القدرة على نسائهم وعائلاتهم كيف وكل من سوقة الناس يقدر على من تحت حيطته من أهل بيته فيكبحهم عما يحط بكرامته أو لا يراه من صالحهم لجهات أخرى.
فهل من المعقول أن الإمام زين العابدين يدع أخته الكريمة عليه في حيث تنيخ فيه الضعة والصغار وهو القائل لأبي خالد الكابلي حين دخل عليه ورأى الباب مفتوحًا فتعجب من ذلك:
«لا تعجب أن الخادمة خرجت من الدار ولا علم لها بفتح الباب ولا يجوز لبنات رسول الله أن يخرجن فيصفقن الباب» [مدينة المعاجز ص ٣١٨ رقم ٨٦].
أمن المعقول أنه لا يجوز لهن رد الباب وليس فيه إلا الخروج إلى مظنة رؤية الأجنبي لهن من وراء الأزر والأخمرة ويكون من الجائز لهن التبرج إلى الأجانب والمحادثة معهم والخوض في مجاملتهم.
ثم ما بال الإمام الباقر يذر عمته السيدة بين تلكم المخازي، وما بال الأباة الهاشميين يغضون الطرف عما هنالك من بواعث العيب والنقص فإلى من يدخرون الإصلاح وهم يتركون عقائل بيتهم، وإلى أي زمن يرجئونه إن أخروه عن أيام حياتهم في خفراتهم.
وهذه جبلة فطر الله عليها العرب جمعاء فضلًا عمن قيضهم المولى سبحانه لهداية البشر وإرشادهم إلى ما هو الأصلح فإنهم لا يرضخون لمنافيات الغيرة والشهامة وإن بلغوا في القساوة كل مبلغ حتى كان من أمرهم أن وأدوا البنات كيلا يلحقهم بسببهن العار، وكانوا لا يزوجون المرأة من الرجل إذا شبب بها [شرح أمالي القالي للبكري ٢/ ٦٥٩].
ولما شبب عبد الله بن مصعب المعروف بعائذ الكلب بامرأة من بني نصر بن دهمان وكان اسمها «جمل» عمد إليها اخوتها فقتلوها غيرة منهم [ن. م].
ولما بلغ الحجاج الثقفي أن محمد بن عبد الله النميري شبب بأخته زينب أسمعه السباب المقذع ولم يتركه حتى كتب إلى عبد الملك بن مروان بذلك [ن. م ٢/ ٦٥٨].
وشبب الهذلي بابنة جندل بن معبد بن الحساس، فساء ذلك أباها فعدا عليه وقتله ثم أحرقه. [ن. م ٢/ ٧٢١].
وكان ابن رهيمة يشبب بزينب بنت عكرمة بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام فاستعدى عليه اخوها هشام بن عبد الملك فأمر بضربه خمسمائة سوط وأباح دمه إن وجد يفعل مثل ذلك.
وغضب يزيد بن معاوية على عبد الرحمن بن حسان لما شبب باختة رملة بنت معاوية واستعدى عليه أباه.
واشترى ابن معبد (سحيم) الشاعر فلما شبب سحيم بابنته عميرة وشهرها عدا ابن معبد عليه فأحرقه بالنار [ن. م ٢/ ٧٢١].
وفي هذه الشواهد مقنع للتعريف بما جبلت عليه نفوس العرب من الغيرة والشهامة فكيف بالهاشميين منهم الذين لم يرضخوا للدنايا، وترفعوا عن كل ما يمس كرامتهم، فتراهم ينكرون

<<  <  ج: ص:  >  >>