للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

مِنَ الوُلَّفاتِ الرَّملِ أَدماءُ حُرَّةٌ … شُعَاعُ الضُّحَى مِنْ مَتْنِها يَتَوَضَّحُ

فأمر الواثق أن يعيده على الجواري، وأحلفه بحياته أن ينصح فيه، فقال: لا يستطعن الجواري أن يأخذنه مني، ولكن يحضر محمد بن الحارث، فيأخذه مني، ويأخذنه الجواري منه، فأحضره، وألقاه عليه، فأخذه منه، وألقاه على الجواري.

قال أحمد بن الحسن بن هشام: جاءني محمد بن الحارث بن بُسْخُنَّر يومًا، فقال لي: قم حتى أطفل بك على صديق لي حر، وله جارية أحسن خلق الله تعالى وجهًا وغناء، فقلت: أنت طفيلي وتطفل بي. هذا والله أحسن حال، وقمت معه، فقصد بي دار رجل من فتيان سر من رأى كان لي صديقًا، ويكنى أبا صالح، وقد غيرت كنيته على سبيل القلب، فلقب أبا الصالحات، وكان ظريفًا، حسن المروءة، ويضرب بالعود على مذهب الفرس ضربًا حسنًا، ولم يكن منزله يخلو من طعام وشراب؛ لكثرة من يقصده من إخوانه؛ فلما طرق بابه قلت: فرجت عن صديقي، فدخلنا، وقدم إلينا طعامًا نظيفًا، فأكلنا وأحضر النبيذ، وأحضر جاريته، فغنت غناء حسنًا، ثم غنت صوتًا كانت أخذته من محمد بن الحارث من صنعته، والشعر لابن أبي عيينة (١): [من الكامل]

ضُيِّعَتْ عَهْدَ فَتًى لِعَهْدِكِ حَافِظٌ … فِي حِفْظِهِ عَجَبٌ وفي تَضْيِيعِكِ (٢)

إِنْ تَقْتُلِيهِ وتَذْهَبِي بِفُؤَادِهِ … فَبِحُسْنِ وَجْهِكِ لا بِحُسْنِ صَنِيعِكِ

فطرب محمد بن الحارث ونقطها بدنانير مُسَيَّفة كانت في خريطته، ووجه بغلامه، فجاءها ببرنية فيها غالية، فغلفها منها، ووهبها الباقي، وكان معنا أخ لمحمد بن الحارث يكنى أبا هارون، ظريف، طيب، فطرب، ونعر، ونخر، وقال لأخيه: والله إني أريد أن أقول لك شيئًا في السرّ، وأسألك أن تخبرني هل فيه حرج؟، قال: قله


(١) لابن أبي عيينة في الأغاني ١٢/ ٦٧.
وهو أبو عيينة اسمه، وكنيته ابو المنهال، وابن أبي عيينة هو محمد ابن أبي عيينة بن المهلب بن أبي صفرة.
كان أبو عيينة بن محمد بن أبي عيينة يهوى فاطمة بنت عمر بن حفص الملقب هزار مرد وكانت امرأة نبيلة، شريفة. وكان يخاف أهلها ان يذكرها تصريحًا، ويرهب زوجها عيسى بن سليمان، فكان يقول الشعر في جارية لها يقال لها دنيا. وكان ابن أبي عيينة من أطبع الناس، وأقربهم مأخذًا من غير ادب موصوف ولا رواية كثيرة. وكان يقرب البعيد، ويحذف الفضول، ويقل التكلف، وكان اصغر من اخيه عبد الله ومات قبله.
كان جنديا في عداد الشطار.
ترجمته في: الأغاني ٢٠/ ٨٥ - ١٣٠.
(٢) الأغاني ١٢/ ٦٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>