صبّ الدموع دمًا، وصدَّ الثاكل أن يتذكر عدمًا، لو باكى السيل لاستوقفه إذ جرى، أو شاكي المُسهَّد لأشغله عن الكرى، راق الخلفاء كأس غنائه، واتخذوه لذماء الروح أجل غذائه، فكانوا لا يرون سرورًا بغيره يتم، ولا حبورًا بسواه يلم.
قال أبو الفرج: كان قديمًا يغني بالمعزفة، وكانت تحمل معه [إلى] دار الخلافة، فمرّ غلامه بها يومًا، فقال قوم: كانوا جلوسًا على الطريق: مع هذا الغلام مصيدة الفأر، فقال بعضهم: لا هذه معزفة محمد بن الحارث، فحلف يومئذ بالطلاق والعتاق لا يغني بمعزفة أبدًا آنفةً أن ينسبه التي يغني بها بمصيدة الفار، فصار يغني مرتجلًا، وكان أحسن الناس أخذًا للغناء، وأحسنهم أداءً.
قال أبو عبد الله الهاشمي: سمعت إسحاق المصعبي يقول للواثق، قال لي إسحاق بن إبراهيم الموصلي: ما قدر أحد أن يأخذ شيئًا مستويًا إلا محمد بن الحارث، فقال له الواثق: حدثني إسحاق عن إسحاق الموصلي بكذا وكذا، قال: قد قال لي إسحاق مرارًا، قال له الواثق، فأي شيء أخذت من صنعته أحسن عندك، فقال - وهو يزعم أنه لم يأخذ منه أحد قط - هذا الصوت كما أخذته وهو هذا (١): [من الطويل]
فليس له في العيش خير وإن بكى … على العيش أَوْ رَجَّي الَّذِي هُوَ كَاذِبُهْ
فأمره الواثق أن يغنيه إياه، فأحسن واستعاده الواثق منه، فاستحسنه، وأمره برده مرارًا حتى أخذه الواثق، وأخذه جواريه والمغنون.
وذكر يحيى المنجم: أن إسحاق غنّى بحضرة الواثق (٢): [من الطويل]
ذكرتُكِ إِذْ مرَّت بنا أم شادِنٍ … أَمامَ المَطايا نَشْرَئِبُّ وَتَسْنَحُ
= بالحيرة، وكان يغني مرتجلًا الا ان اصل ما غنى عليه المعزفة، وكانت لا تحمل معه إلى دار الخليفة … وكان محمد أحسن خلق الله تعالى أداء، واسرعه أخذًا للغناء. وفي ترجمة اخرى مولى المنصور، وأصله من الري، من أولاد المرازبة، وكان الحارث ابن بسخنر أبوه رفيع القدر عند السلطان، من وجوه قواده وولاه الهادي - ويقال الرشيد - الحرب والخراج بكور الاهواز كلها. وعن ابراهيم بن المهدي اخذ الغناء. ومن بحره استسقى وعلى منهاجه جرى. وكان محمد يغني بالمعزفة فنقله ابراهيم بن المهدي إلى العود وواظب عليه حتى حذقه. ترجمته في: الاغاني ١٢/ ٦١ - ٦٨. (١) الشعر الإسحاق الموصلي في ديوانه ٩٠، الأغاني ١٢/ ٦٣. (٢) لذي الرمة في ديوانه ٢/ ١١٩٧، الأغاني ١٢/ ٦٥.