وهذا أول صوت غُنِّي به في الإسلام من الغناء المتقن في الصنعة.
قال: ثم اشترى عبد الله بن جعفر بسيطًا بعد ذلك، فأخذ عن سائب خاثر الغناء العربي، وأخذ عن سائب أيضًا ابن سريج، وجميلة ومعبد، وعزة الميلاء، وغيرهم.
قال: وفد عبد الله بن جعفر على معاوية، ومعه سائب خاثر، فوقع له في جواريه، ثم عرض عليه حاجة لسائب خاثر، فقال معاوية: من هذا؟، فقال: رجل من أهل المدينة ليثي ويروي الشعر، قال: أو كل من روى الشعر ازداد فضله؟. قال: إنه يحسنه، قال: وإن أحسنه قال: أفأدخله إليك يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم، فلما دخل قام على الباب، فرفع صوته ثم غنّى (١):
لمن الديار رُسومُها قَفْرُ … لَعِبَتْ بها الأرياحُ والقَطْرُ
فالتفت معاوية إلى عبد الله، وقال: أشهد لقد حسنه. وقضى حوائجه.
قال: أشرف معاوية ليلًا على منزل يزيد ابنه، فسمع صوتًا أعجبه، واستخفه السماع، فاستمع قائمًا حتى مل، ثم دعا بكرسي، فجلس عليه، واستمع بقية ليلته؛ فلما أصبح غدا عليه يزيد، فقال له: يا بني من كان جليسك البارحة؟، قال: أي جليس يا أمير المؤمنين؟، وتجاهل عليه، فقال: عرّفني، فإنّه لم يخف علي شيء من أمرك، قال: سائب خائر، قال: فاخثر له يا بني من برك، فما بمجالسته بأس.
قال ابن الكلبي: وفد معاوية المدينة في بعض ما كان يفد، فأمر حاجبه بالإذن للناس، فخرج الحاجب، ثم رجع، فقال: ما بالباب من أحد؟، قال: وأين الناس؟،
قال: عند عبد الله بن جعفر، فدعا معاوية ببغلته، فركبها، ثم توجه إليهم؛ فلما جلس، قام سائب خائر ومشى بين السماطين، وتغنّى (٢):
لنا الجَفَناتُ الغُرُّ يَلْمَعْنَ بالضُّحى … وأسيافنا يقطرنَ مِنْ نَجْدَةٍ دَما
فطرب معاوية وأصغى إليه حتى سكت، وهو مستحسن لذلك، ثم قام، وانصرف.
قال: وقتل سائب خائر يوم الحرة؛ فلما عرضت أسماء من قتل على يزيد بن معاوية، مرَّ به اسمه، فقال: إنا لله، وبلغ القتل إلى سائب خائر إلى طبقته، ما أظن أنه بقي بالمدينة من أحد، ثم قال: قبحكم الله يا أهل الشام، تجدهم صادفوه في حديقة، أو حائط مستترًا، فقتلوه؟!
(١) للحارث المخزومي في شعره ١٥٩ - ١٦٠.
(٢) لحسان بن ثابت في ديوانه ١/ ٣٥.