قال الرشيد لأبي عيسى - وهو صبي - ليت جمالك لعبد الله - يعني المأمون - فقال: على أن حظه منك لي. فعجب من جوابه على صبائه، وضمه إليه، وقبله.
ولما قال عيسى (١): [من الطويل]
دهاني شهرُ الصَّومِ لا كانَ مِنْ شَهْرٍ … ولا صُمْتُ شَهْرًا بَعْدَهُ آخِرَ العُمْرِ
فَلَوْ كانَ يعديني الإمام بقدرة … على الشهر لاستعديتُ جُهْدِي على الشَّهْرِ
ما له بعقب قوله لهذا الشعر صرع، فكان يصرع في اليوم مرات، ولم يبلغ شهرًا مثله.
قال ابن حمدون؛ قلت لإبراهيم بن المهدي: من أحسن الناس غناء؟، قال: أنا، قلت: ثم من؟ قال: أبو عيسى بن الرشيد، قلت: ثم من؟ قال: مخارق.
وقال: كان أبو عيسى بن الحسين، وطاهر بن الحسين يتغديان مع المأمون، فأخذ أبو عيسى هندباة، وغمسها في الخل، وضرب بها عين طاهر الصحيحة، فغضب، وقال: يا أمير المؤمنين إحدى عيني ذاهبة والأخرى على يدي عدل يفعل بي هذا بين يديك، فقال المأمون: يا أبا الطيب إنه والله يعبث معي أكثر من هذا العبث.
قيل: كان المأمون يخطب يوم جمعة على المنبر بالرصافة، وأخوه أبو عيسى تلقاء وجهه في المقصورة، إذ اقبل: أبو يعقوب بن المهدي، وكان أَفْسَى الناس معروفًا بذلك؛ فلما أقبل، وضع أبو عيسى كمه على أنفه. وفهم المأمون ما أراد، فكاد أن يضحك؛ فلما انصرف بعث إلى أبي عيسى، فأحضره، وقال: والله لهممت أن أبطحك، فأضربك مائة درة، ويلك أردت أن تفضحني بين أيدي الناس يوم الجمعة، وأنا على المنبر. إياك أن تعود لمثل هذه.
وكان يعقوب بن المهدي لا يقدر أن يمسك الفساء، إذا جاءه، فاتخذت داية له مثلثة يتوقف فيها فلما وضعتها تحته، فقال: هذه ليست بطيبة، وهي مثلثة، فلما ربعتها فسدت.
قال: وكان يعقوب هذا محمقًا، وكان يخطر بباله الشيء يشتهيه، ثم يثبت تحته ليس عندنا فوجد في دفتر له ثبت ما في الخزانة من الثياب المثقلة الإسكندارنية، لا شيء الفصوص الياقوت الأحمر من حالها كذا ومن نعتها كذا لا شيء. فحمل إلى المأمون ذلك الدفتر، فضحك لما قرأه حتى فحص برجليه، وقال: ما سمعت بمثل هذا قط.
قال عمرو بن سعيد: لما مات أبو عيسى بن الرشيد، وجد عليه المأمون وجدًا شديدًا حتى امتنع من النوم، ولم يطعم شيئًا، فدخل عليه أبو العتاهية فقال له المأمون: حدثني بحديث بعض الملوك ممن كان قبلنا في مثل بعض حالنا، وفارقها، فحكى له
(١) الأغاني ١٠/ ٢٢٨.