للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

إسحاق يومًا في بعض دور بني هاشم، وحضر علوية، فغنى أصواتًا، ثم غنى من صنعته (١): [من الطويل]

ونُبِّئْتُ ليلى أَرْسَلَتْ بشَفَاعَةٍ … إِليَّ فَهَلًا وجه ليلى شَفِيعُها

فقال له: أحسنت، أحسنت والله يا أبا الحسن ما شئت، فقام علوية من مجلسه، فقبل رأس إسحاق، وجلس بين يديه، وسرَّ بقوله سرورًا شديدًا، ثم قال له: أنت سيدي، وأستاذي، ولي إليك حاجة، قال؛ قل: فوالله إني أبلغ فيها ما تحب، فقال: أيما أفضل أنا عندك أم مخارق؟ فإني أحب أن نسمع منك في هذا المعنى قولًا يؤثر، ويحكيه عنك من حضر، فتشرفني به، قال إسحاق: ما منكما إلا محسن مجمل، ولا زيد أن يجري في هذا شيء قال: سألتك بحقي عليك، وبتربة أبيك، وبكل حق تعظمه إلا ما حكمت، فقال: ويحك لو كان … أو أقول غير الحق لقلته فيما تحبّ؛ فأما إذا أبيت إلا ذكر ما عندي، فلو خُيّرت أنا من يطارح جواري أو يغنيني، لما اخترت غيرك، ولكنكما إذا غنيتما بين يدي خليفة، أو أمير، غلبك على إطرابه، واستبد عليك بجائزته، فغضب علوية، وقام وقال: أف من رضاك، وأف من غضبك.

قال عبد الله بن طاهر: سمعت الواثق يقول: علوية أصح الناس صنعة بعد إسحاق، وأطيب الناس صوتًا بعد مخارق، وأضرب الناس بعد زلزل، فهو مُصَلِّي كلّ سابق ناذر، وثاني كل أول فاضل.

وكان الواثق يقول: غناء علوية مثل نقر الطست يبقى ساعة في السمع بعد سكوته.

وكان علوية أعسر، وكان عوده مقلوب الأوتار: البم أسفل، ثم المثلث فوقه، ثم المثنى، ثم الزير، فيكون مستويًا على يده، مقلوبًا في يد غيره.

قال: غنّى علوية يومًا بين يدي الأمين (٢): [من الرمل]

ليتَ هِنْدًا أنجزتنا ما تَعِدْ … وشَفَتْ أَنفسنا ممَّا تَجِدْ

وكان الفضل بن الربيع يضطغن عليه شيئًا، فقال للأمين: إنما يُعرض بك، ويحرض المأمون، ويستبطئ محاربته إياك، فأمر به، فضرب خمسين سوطًا، وجرّ برجله حتى أخرج، وجفاه مدة؛ فلما قدم المأمون تقرب إليه بذلك، فلم يقع له بحيث يحب، وقال له: إنَّ الملوك بمنزلة الأسد والنار، فلا تتعرَّض لما يغضبه؛ فإنه ربما جرى منه ما يتلفك، ثم لا يقدر بعد ذلك على تلافي ما فرط منه، ولم يعطه شيئًا.


(١) لمجنون ليلى في ديوانه ١٥١، الأغاني ١١/ ٣٣٥.
(٢) لعمر بن أبي ربيعة في ديوانه ٣٢٠، الأغاني ١١/ ٣٤٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>