للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ومثل هذا ما فعل الأمين ما حكاه إسحاق. قال: دخلت يومًا على الأمين، فرأيته متغضبًا كالحًا، فقلت: ما للأمير تمم الله سروره، ولا نغصه إياه كالخائر، فقال: غاضني أبوك الساعة، والله لو كان حيًا لضربته خمسمائة سوط، ولولاك لنبشت الساعة قبره، وأحرقت عظامه، فقمت على رجلي وقلت: أعوذ بالله من سخطك يا أمير المؤمنين، ومن أبي وما مقداره حتى تغتاظ منه، وما الذي غاظك، فلعل له عذرًا فيه، فقال: شدَّة محبته المأمون، وتقديمه إياه علي. قال في الرشيد شعرًا يقدمه علي، وغناه فيه، وغنيته الساعة فأورثني هذا الغيظ، فقلت: والله ما سمعت بهذا قط، ولا لأبي غناء إلا وأنا أرويه، قلت: فما هو؟ قال قوله (١): [من الوافر]

أبو المأمون فينا والأمين … لَهُ كَفَّانِ مِنْ كَرَمِ وَلِيْنِ

فقلت له: لم يقدم المأمون هذا لتقديمه إياه في الموالاة، ولكن الشعر لم يصح وزنه إلا كذا، فقال: وكان ينبغي له إذا لم يصح وزنه إلا كهذا أن يدعه إلى لعنه الله قال: فلم أزل أرفق به إلى أن سكن؛ فلما قدم المأمون، سألني عن هذا الحديث، فحدثته به، فجعل يضحك ويتعجب منه.

قال أحمد بن يحيى المكي: دخلت على علوية أعوده من علة اعتلها، فجرى حديث المأمون، فقال: علم الله كدت أذهب ذات يوم وأنا معه لولا أن الله ﷿ سلمني، ووهب لي حكمة، فقلت: كيف كان ذاك؟، قال: كنت معه لما خرج إلى الشام، فدخلنا دمشق، وجعل يطوف على قصور بني أمية، فدخل صحنًا، فإذا هو مفروش بالديباج والرخام الأخضر، وفيه بركة ماء يدخلها ويخرج منها من عين تصب إليها، وفي البركة سمك وبين يديها بستان، وعلى أربع زواياه أربع سروات كأنها قُصَّت بمقراض من التفافها أحسن ما رأيت قط من السرو قدًا، فاستحسن ذلك وعزم على الصبوح، وقال: هاتوا إلي الساعة طعامًا خفيفًا، فأتي فأكله، ودعا بالشراب وأقبل علي، فقال: غنني ونشطني، فكأنَّ الله ﷿ أنساني الغناء، فنظر إلي مغضبًا وقال: عليك وعلى بني أمية لعنة الله، ويلك أقلت لك: سؤني، أو سرني؟ ألم يكن لك وقت تذكر فيه بني أمية إلا هذا الوقت تعرّض بي؟ فتحيلت عليه، وعلمت أني قد أخطأت فقلت: أتلومني على أن أذكر بني أمية؟ هذا مولاكم زرياب عندهم يركب في مائتي غلام له، ويملك ثلاثمائة ألف دينار. وهبوها له سوى الخيل والضياع والرقيق، وأنا عندكم أموت جوعًا قال: أو لم يكن لك شيء تذكرني به نفسك غير هذا؟ فقلت:


(١) لإبراهيم الموصلي في الأغاني ١١/ ٣٤٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>