هكذا أخطرني حين ذكرتهم قال: أعدل عن هذا، ونبه على إرادتي، فأنساني الله كل شيء أحسنه إلا هذا الصوت (١): [من الكامل]
الحين ساقَ إلى دِمَشْقَ وما كانت دمشق لأهلِها بَلَدًا
فرماني بالقدح، فأخطأني وانكسر القدح، وقال: قم عني إلى لعنة الله، وحرّ سقر وقام فركب، فكانت والله تلك الحالة آخر عهدي به حتى مرض ومات.
قال: ثم قال لي علوية يا أبا جعفر، كم تراني أحسن؟ أغني ثلاثة آلاف صوت، أربعة آلاف صوت خمسة آلاف صوت؟ وأنا والله أغني أكثر من ذلك. ذهب والله كله عني حتى كأني لم أعرف غير ما غنيت، ولقد ظننت أنه لو كان لي ألف درج ما تحت منها واحدة، ولكنه كان رجلًا حليمًا.
قال: وغنّى يومًا علوية بحضرة الرشيد (٢): [من الكامل]
وأرى الغواني لا يُواصِلْنَ امرأ … فقدَ الشباب وقدْ يَصِلْنَ الأَمْرَدَا
فدعا به الرشيد، وقال: يا عاض بظر أمه تغني في مدح المرد، وتذم الشيب، وستارتي منصوبة، وقد شبتُ كأنك تعرّض بي، ثم دعا بمسرور، فأمره أن يأخذ بيده، فيضربه مائة درّة، ولا يرد إلى مجلسه، ففعل ذلك به، ولم ينتفع الرشيد يومئذ بنفسه.
قال: دخل علوية يومًا على إبراهيم بن المهدي، فقال له إبراهيم: ما الذي أحدثت بعدي من الصنعة يا أبا الحسن؟، قال: صنعت صوتين، قال: فهاتهما إذًا، فغناه (٣): [من الطويل]
أَلا إِنَّ لي نَفْسَيْنِ: نَفْسٌ تقول لي: … تمتَّع بليلى ما بَدَا لَكَ لِيْنُها
ونفس تقول: استبق وُدَّكَ واتَّئِدْ … بِنَفْسِكَ لا تطرح على مَنْ يُهِينُها
قال: فكاد إبراهيم أن يموت من حسده، وتغيّر لونه، ولم يدر ما يقول له؛ لأنه لم يجد في الصوت مطعنًا، فعدل عن الكلام في هذا الكلام، وقال له: هذا المعنى يدل على أن ليلى هذه كانت من لينها مثل المُوم بدهن البنفسج.
ثم سأله عن الصوت الآخر (٤): [من الطويل]
إذا كان لي شيئان يا أُمَّ مَالِكِ … فإنَّ لجاري منهما ما تَخَيَّرا
وفي واحد إن لم يكن غير واحدٍ … رآه له أهلًا، وإن كانَ مُعْسِرَا
قال: فكاد إبراهيم أن يموت حسدًا له. قال: وإن كان لك امرأتان، قال: يا أبا
(١) الأغاني ١١/ ٣٦٠.
(٢) للأعشى في ديوانه ٢٧٧، الأغاني ١١/ ٣٦٣.
(٣) الأغاني ١١/ ٣٤٩.
(٤) لحاتم الطائي في ديوانه ١٠٩ - ١١٠، الأغاني ١١/ ٣٤٩.