للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال يحيى المكي: ثلاثة من المغنين كانوا أحسن الناس خلوقًا: ابن عائشة، وابن بيرق، وابن أبي اللباب.

قال … ابن أبي عتيق يومًا: حلق ابن عائشة مخدشًا، فقال: من فعل بك هذا؟، فقال: فلان، فمضى ونزع ثيابه، وجلس للرجل على بابه، فلما خرج أخذ بتلابيبه، وجعل يضربه ضربًا شديدًا، والرجل يقول: ما لك تضربني؟ أي شيء صنعت؟ وهو لا يجيبه حتى فرغ منه، ثم خلاه، وأقبل على من حضر، فقال: أراد أن يكسر مزامير داود. شد على ابن عائشة، فخنقه وخدش حلقه.

قال صالح بن حيان وذكر يومًا المغنين بالمدينة فقال: لم يكن بها أحد بعد طويس (١) أعلم من ابن عائشة، ولا أظرف مجلسًا، ولا أكثر طيبًا، وكان يصلح أن يكون نديم خليفة، وسمير ملك.

قال إسحاق: كان ابن عائشة تائهًا سيئ الخلق، فإن قال له إنسان: تغن، قال: ألمثلي يقال هذا؟، فإن قال له قائل، وقد ابتدأ وهو يغني: أحسنت، قال: ألمثلي يقال: أحسنت؟ وسكت.

وكان قليلًا ما ينتفع به، فسال العقيق مرّة، فدخل الماء عرصة سعيد بن العاص حتى ملأها فخرج الناس إليها وخرج ابن عائشة فيمن خرج فجلس على فرن الثنية، فبينا هم كذلك إذ طلع الحسن بن علي على بغلة، وخلفه غلامان أسودان كأنهما الشياطين، فقال: امضيا رويدًا حتى تقفا بأصل الفرن الذي عليه ابن عائشة، فخرجا حتى فعلا ذلك، ثم ناداه الحسن: كيف أصبحت يا ابن عائشة؟ فقال: بخير فداك أبي وأمي، قال: انظر من تحتك، فنظر فإذا العبدان فقال له: أتعرفهما؟ قال: هما حران لئن لم تغن مائة صوت لأمرتهما بطرحك، وهما حرّان لئن لم يفعلا لأنكلن بهما، ولآمرن بقطع أيديهما، فاندفع ابن عائشة يغني، وكان أول ما ابتدأ به صوت وهو (٢): [من الوافر]

ألا لله درك من … فتي قومٍ إِذا رَهِبُوا

ثم لم يسكت حتى غنّى مائة صوت، فقال: إنَّ الناس لم يسمعوا من ابن عائشة أكثر مما سمعوه ذلك اليوم، وكان آخر ما غنّى به (٣): [من البسيط]


(١) ترجم له المؤلف برقم (٥).
(٢) البيت لأبي العيال الهذلي في ديوان الهذليين ٢/ ٢٤٤، الأغاني ٢/ ١٩٩ - ٢٠٠.
(٣) البيت لعمر بن أبي ربيعة، انظر: ديوانه ص ٣٠٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>