وكانت من أبرع النساء نطقًا، وأبدع أهل الغناء حذقًا، تجيد لمختلف الأصوات التآلف، وتجوز الغاية في الثقيل والخفيف، وتأتي بما بعد بدعة في زمانها، ولم تتفرد به فريدة في أوانها، ولا تجيء دنانير حبة في ميزانها، هذا إلى قريحة قادرة، وحلاوة في نادرة، وسرعة جواب، وصنعة إتقان لا يخرج اللحن فيها عن صواب.
حكى لي شيخنا أبو الثناء الحلبي عنها قال: لو كنت أستحسن أخرج خبية لأضحكت به الحزين الثكاكل وقيدت به الجحود الناكل، وبهذا ومثله كانت تستلين من الظاهر وأهل دولته أولئك الصخور، ويستنزل أولئك الشم، وما منهم كل مختار فخور، وهيهات إن كان يندى لأحد منهم راحة، أو تبل لواحد منهم يد بسماحة.
(١) الظاهر بيبرس العلائي البندقداري الصالحي ركن الدين الملك الظاهر: صاحب الفتوحات والأخبار والآثار. مولده بأرض القبجاق سنة ٦٢٥ هـ/ ١٢٢٨ م. وأسر فبيع في سيواس، ثم نقل إلى حلب، ومنها إلى القاهرة. فاشتراه الأمير علاء الدين أيدكين البندقدار، وبقي عنده، فلما قبض عليه الملك الصالح نجم الدين أيوب أخذ بيبرس، فجعله في خاصة خدمه، ثم أعتقه. ولم تزل همته تصعد به حتى كان أتابك العساكر بمصر، في أيام الملك «المظفر» قُطُز، وقاتل معه التتار في فلسطين، ثم اتفق مع أمراء الجيش على قتل قُطُز فقتلوه، وتولى «بيبرس» سلطنة مصر والشام (سنة ٦٥٨ هـ) وتلقب بالملك «القاهر، أبي الفتوحات» ثم ترك هذا اللقب وتلقب بالملك «الظاهر». وكان شجاعًا جبارًا، يباشر الحروب بنفسه. وله الوقائع الهائلة مع التتار والإفرنج (الصليبيين) وله الفتوحات العظيمة، منها بلاد «النوبة» و «دنقلة» ولم تفتح قبله مع كثرة غزو الخلفاء والسلاطين لها. وفي أيامه انتقلت الخلافة إلى الديار المصرية سنة ٦٥٩ هـ. وآثاره وعمائره وأخباره كثيرة جدًا. توفي في دمشق سنة ٦٧٦ هـ/ ١٢٧٧ م، ومرقده فيها معروف أقيمت حوله المكتبة الظاهرية. ولمحمد جمال الدين كتاب «الظاهر بيبرس وحضارة مصر في عصره - ط». ترجمته في: فوات الوفيات ١/ ٨٥ والنجوم الزاهرة ٧/ ٩٤ وابن إياس ١/ ٩٨ و ١١٢ وفيه اسم أبيه «بركة خان»، وابن الوردي ٢/ ٢٢٤ ووليم موير ٤١ والنعيمي ١/ ٣٤٩ والسلوك للمقريزي ١/ ٤٣٦ - ٦٤١، وسوبر نهيم M.Sobernheim في دائرة المعارف الإسلامية ٤/ ٣٦٣ وهو يذكر مولده سنة ٦٢٠ هـ، الأعلام ٢/ ٧٩.