وَكُلُّ مَنْ في فُؤَادِهِ وَجَعٌ … يَطْلُبُ شَيْئًا يُسَكِّنُ الوَجَعَا
وَارَحْمَتَا لِلْغَرِيبِ في البَلَدِ النَّـ … ـــازِحِ مَاذَا بِنَفْسِهِ صَنَعَا
فَارَقَ أَحْبَابَهُ فَمَا انْتَفَعُوا … بِالعَيْشِ مِنْ بَعْدِهِ وَلا انْتَفَعَا
ودام معها ليلته كلها، والبدر لا يعرف السرار، والبحر لا يدرك له قرار، والشموع كأنها عشاق تجري دموعها، وتلتهب قلوبها الحرار، حتى هم الفجر أن يبوح بسره المكتوم، ويفك عن سفط النجوم طوابع الختوم، وقطرت أعطاف السحب متصببة، وجرت دموع النرجس في خدود الشقيق مصوبة، وقارب طلوع الصباح، والجو بين برديه، وسيف البرق بين غمديه، واضطرب النسيم مدبدبا مبلبلا تلك الحدائق، واضطر الفجر إلى أن يقبل في ثغر الصبح المفتر تلك العقائق، فأشرف الملك الكامل، ومن مجر الرعد قد هول، والصباح الآتي قد قص ذيل الليل وقصر منه ما طول، فدعاها إلى الصبوح، وأقام بوجهها عذره عند الدهر الصفوح، فلما دارت به الحميا، وذكرته هندا وميا، أمرها أن تصنع لحنا في شعر بعض متيمي العرب، فصنعت في شعر ذي الرمة (١): [من الطويل]
أَرَانِي إِذَا هَوَّمْتِ يَا مَيُّ زُرْتِنِي … فَيَا نِعْمَا لَوْ أَنَّ رُؤْيَاكِ تَصْدُقُ
يَلُومُ عَلَى مَيِّ خَلِيلِي وَرُبَّمَا … تَجُورُ إِذَا لامَ الشَّقِيقُ وَتَحْرِقُ
غَدَاةَ أُمَنِّي النَّفْسَ أَنْ يُسْعِفَ النَّوَى … بِمَيِّ وَقَدْ كَادَتْ مِنَ الوَجْدِ تَزْهَقُ
لَهَا جِيْدُ أُمِّ الخِشْفِ رِيْعَتْ فَأَتْبَعَتْ … وَوَجْهُ لَقَرْنِ الشَّمْسِ رَيَّانُ يُشْرِقُ
فوقع منه موقعا كاد يجتذبه، ويأخذ بسمعه إليه، ولو أراد أنه يجتنيه، ثم أفاض عليها سجاله ووسع في الكرم عليها محاله. ومما ينتقى من محاسن هذه القصدية المختار منها الصوت: [الطويل]
وَتِيهَا تُوَدِّي بَيْنَ أَرْجَائِهَا الصَّبَا … عَلَيْهَا مِنَ الظَّلْمَاءِ جُلٌّ وَخِنْدِقُ
عُلِّلَتِ المَهَارِي بَيْنَهُمَا كُلَّ لَيْلَةٍ … وَبَيْنَ الدُّجَى حَتَّى رَآهَا تُمَزَّقُ
فَأَصْبَحْتُ أَجْتَابُ الفَلاةَ كَأَنَّنِي … حُسَامٌ جَلَتْ عَنْهُ المَدَارِسُ مُخْفَقُ
طَرَاقُ الخَوَافِي في وَاقِعٍ فَوْقَ رِيعَةٍ … نَدَى لَيْلَةٍ في رِيْشِهِ يَتَرَقْرَقُ
(١) دِيْوَانُهُ ٣٤٠ - ٣٤٧.