يا آمري في دُمُوعِي بعد ما فَنِيَتْ … بأَنْ أَصُونَ وأَحْمِي مَا عَسَاهُ بَقِي
والشعر لابن الحجاج.
وحكي أنه أمر بها فأحضرت، والغيم قد فرَّق في السماء قطعه، وطرّز مُذْهَبُ البروق خلعه، وتشرين قد أرسل نجائب السحاب محبرة، والخريف قد جاء وراياته المختلفة مبشرة، وثغر الروض قد راق، ووقت السرور قد لاق، ولمى النهر قد حلا في فم من ذاق، وحرّ الهجير قد خمد لهيبه، وسبح الفحم قد آن في المواقد لهيبه، والبثوث قد هيئت للكن، والمنازل قد قربت إلى الدن، والراووق قد رفعت صلبه المعلقة، والكؤوس بنُطَفِ الماء مخلقة وغير مخلقة، وقد حصل العود والعود، وأزلف المجلس لتطلع فيه طوالع السعود، واندفعت تغني بصوت صنعته في بعض المشارقة، وصدعت به صباح تلك الشارقة، وهو هذا:[من الطويل]
مشوق إذا ما ارْتَاحَ هَيَّجَهُ الحُبُّ … وصَبُّ لَوَيْلِ الدَّمْعِ فِي حَدِّهِ صَبُّ
وإن لاحَ وَهْنا بَرْقُهُ مِنْهُ يَنْثَنِي … وفي جَفْنِهِ لِلدَّمْعِ مِنْ خَدِّهِ غَرْبُ
فلم يبق في المجلس إلا من مال ودبَّ للسكر بطربها في مفاصلهم نمال.
واستدعى بها يومًا، وهو بداره بالفسطاط المطلة على النيل، وقد نضدت رواشنها، وتلبثت قدامها أنواع المسك، وبرزت وعليها جوانها، والنيل قد صفا مشربه، وخفي بتكاثر الأمواج مسربه، والبرق قد كحل جفن السحاب بمروده، والليل قد رد في عين الشمس من إثمده، والهلال بقطع الغيم قد احتجب، والهلال المولى قد بلل جناحه ليطير، وهذا من العجب في وقت غفل عنه الرقيب، ولم يحضره إلا مثل إسحاق أو حبيب، وأقبلت تحدثه وتغنيه، وتفتح على يديه السؤل وتمنيه. ومما غنته من أصواتها والشعر قديم:[من المنسرح]
دَعْهُ يُداري فنِعْمَ ما صَنَعَا … لولم يكن عاشقًا لما خَضَعَا