للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

هكذا ذكر. قال: فإنَّ عبدك مخارقًا يغنيه غناء أحسن من هذا وأطيب، فنظر إلى مخارق، وقال: تغنيه؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: هاته، فغناه وتحفظ فيه، فأتى بالعجائب، فطرب الرشيد حتى كاد يطير فرحًا وشرب، ثم أقبل على ابن جامع فقال: ويلك ما هذا؟ فابتدأ يحلف له بالطلاق، وكل محرجة أنه لم يسمع ذلك الصوت قط إلا منه، ولا صنعه غيره، وأنها حيلة تمت عليه، فأقبل على إبراهيم، وقال: أصدقني بحياتي، فصدقه في قصة مخارق. قال: نعم يا مولاي، قال: اجلس إذًا مع أصحابك فقد تجاوزت مرتبة من يقوم، فأعتقه، ووصله بثلاثة آلاف دينار، وأقطعه منزلًا.

قال الحسين بن الضحاك: حدثني مخارق أن الرشيد قال يومًا - وهو مصطبح لجماعة المغنين - من منكم يغنّي هذا الصوت (١): [من البسيط]

يا رَبَّعَ سَلْمَى لَقَدْ هَيَّجْتَ لِي طَرَبا … زِدْتَ الفُؤَادَ على غلاتِهِ وصبا

فقمت وقلت: أنا يا أمير المؤمنين، فقال: هاته فغنيته فطرب، وشرب وقال:

علي بهرثمة، فقلت - في نفسي -: ما يريد منه، فجاءوا به، فأدخل إليه، وهو يجر سيفه، فقال: يا هرثمة مخارق الشاري الذي قتلناه في ناحية الموصل ما كانت كنيته؟، قال: أبو المهنا، قال: فانصرف، ثم أقبل عليّ بوجهه وقال: قد كنيتك يا أبا المهنا لإحسانك وأمر لي بمائة ألف درهم.

قال: كان الواثق يقول: أتريدون أن تعرفوا فضل مخارق على جميع أصحابه؟ انظروا إلى هؤلاء الغلمان الذين يقفون في السماط، فكانوا يتفقدونهم، وهم وقوف، وكلهم يستمع الغناء من المغنين جميعًا، وهو واقف مكانه ضابط لنفسه، فإذا غنّى مخارق خرجوا من صورهم، فتغيرت وجوههم، وتحرّكت أرجلهم ومناكبهم، وظهرت أسباب الطرب فيهم، وازدحموا على الحبل الذي يقفون من ورائه.

قال: سمع إبراهيم الموصلي يومًا مخارقًا يغنّي - وهو صغير - فقال له: نعم الفسيلة غرس إبليس منك في الأرض.

قال هارون بن محمد بن هشام: دعاني مخارق يومًا، فأطعمنا جزورية وجلسنا نشرب، فإذا نحن بامرأة تصيح: يا أبا المهنا الله الله في حلف زوجي بالطلاق، إنه يسمع غناءك، ويشرب عليه، قال: اذهبي فجيئيني به، فجاء فجلس، فقال له: ما حملك على ما صنعت؟، قال: يا سيدي كنت سمعت صوتًا من صنعتك، فطربت عليه حتى استخفّني الطرب، فحلفت أن أسمعه منك ثقة بك، وكانت زوجته داية هارون بن


(١) لهلال بن الأسعر المازني في الأغاني ٣/ ٥٢، ١٨/ ٣٥٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>