للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

مخارق، فقال له: ما الصوت؟ فقال (١):

بَكَرَتْ عَلَيَّ فَهَيَّجَتْ وَجْدًا … هُوجُ الرياح وأذكرت نجدا

أتحنُّ مِنْ شَوق إذا ذُكِرَتْ … نَجْدٌ وأَنتَ تَركتها عَمْدا

فَغَنَّاه إياه، وسقاه رطلًا وأمره بالانصراف، وقال له: احذر أن تعاود، فانصرف، فلم يلبث أن جاءت المرأة، وعاودت الصياح، وهي تقول: يا سيدي قد عاود اليمين الله الله في وفي أولادي، فقال: هاتيه، فأحضرته، فقال لها: انصر في أنت، فإن هذا كلما انصرف، حلف وعاود، فدعيه يقيم عندنا اليوم، فتركته، وانصرفت، فقال له مخارق: ما قصتك؟ قال: رجل طروب، وكنت سمعت صوتًا من صنعتك، فاستخفّني الطرب حتى حلفت أن أسمعه منك، قال: وما هو؟ قال (٢):: [من مجزوء الرمل]

أَلِفَ الظَّبْيُ بِعادِي … ونَفَى عَنِّي رُقادِي

وغدا الهجر على الوصل … بأسيافٍ حِدَادِ

قال: فغناه وسقاه رطلًا، ثم قال: يا غلام ائتني بمقارع، فجيء بها، فأمر بالرجل، فبطح، وضربه خمسين مقرعة، وهو يستغيث، ولا يكلمه، ثم قال له: احلف بالطلاق أنك لا تذكرني أبدًا وإلا كان هذا دأبك إلى الليل، فحلف بالطلاق ثلاثًا على ما أمره به، ثم أخرج، فجعلنا نضحك بقية يومنا من حمقه، وما أصاب الرجل.

قال: كان مخارق ممن إذا تنفس أطرب من يسمع نفسه.

وقال: خرج مخارق مع بعض أخوانه إلى بعض المتنزهات، فنظر إلى قوس مذهبة مع بعض من خرج معه، فسأله أن يهبه له فضنَّ المسؤول. قال: وسنحت ظباء بالقرب منه، فقال مخارق: أرأيت إن غنيت صوتًا، فعطفت به عليك خدود الظباء، أتدفع لي هذه القوس؟، قال: نعم والله فاندفع مخارق يغني (٣): [من المجتث]

ماذا تقول الظباءُ … أَفُرْقَةٌ أَمْ لِقَاءُ

أَمْ عَهْدُها بِسُلَيمى … وفي البَيانِ الشَّفَاء

مرت بنا سانحاتٍ … وقَدْ بدا الإماء

فَمَا أَحَارَتْ جَوَابًا … وطَالَ فيها العَنَاءُ

قال: فعطفت الظباء راجعةً إليه حتى وقفت بالقرب منه مستشرفة تنظر إليه، ومصغية تسمع صوته، فعجب من حضر من رجوعها ووقوفها، وناوله الرجل


(١) للحسين بن مطير الأسدي في شعره/ ٤٩، الأغاني ١٨/ ٣٦٦.
(٢) الأغاني ١٨/ ٣٦٧ - ٣٦٨.
(٣) الأغاني ١٨/ ٣٦٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>